FOLDERS:                  EDITORIALS:
 

الشعب الجائع والعاري أولى بهذه الملايين من الفضائية العارية

الكل يعلم ما تعرضت له الأحوال الاقتصادية والمعيشية لشعبنا بعد حروب النظام العبثية مع دول الجوار ، حيث تركت تلك الحروب أثراً سيئاً على حركة التبادل التجاري بين شعبنا وجيرانه ، وقد ازدادت الأحوال سوءاً على سوئها بقرار النظام الأخير باحتكار التجارة لمؤسسته التجارية المعروفة بـ ( بادو تشعتي ) استيراداً وتصديرا، وامتدت أصابع أخطبوط بادو تشعتي الى المزارعين لتحتكر شراء محاصيلهم ولتفرض عليهم مزاجها السعري .

ونتيجة لهذه السياسات الخرقاء تعاني ارتريا اليوم ندرةً حادة في المواد الاستهلاكية الضرورية ، ولم يعد خافياً على كل زائر لأسمرا صفوف الخبز اللتي غالباً ما يؤدي ازدحامها الى توتر وشجار دائم بين المواطنين الأمر الذي يعرضهم الى معاناة إضافية تتمثل في تلقي الضربات غير الرؤوفة من عصي الحراس المكلفين بحفظ الأمن والنظام في تلك الصفوف . والأسئلة اللتي تطرح نفسها هنا هي : لماذا اختار النظام اتباع تلك الخطوات العبثية والتجويعية في آن معاً ؟ هل لأن خزينته قد فرغت ويريد ملأها عن طريق هذه السياسات التعسفية ؟ أم هي رغبة في تحجيم ثراء التجار حتى لا يخرجوا من سيطرته ؟ أم أن هناك نقص في العملة الصعبة ؟ أم أن التجار أيضاً قد انضموا الى أمواج اللجوء الجديدة فتركوا البلاد ؟ إن معرفة الحقيقة في ظل نظام لا يتعامل بالشفافية أمر في غاية الصعوبة ، كثيراً ما نرى النظام يتحدث عن مشكلات في وفرة الدقيق ولكن ذلك لا يعني أن هذا هو السبب في اتخاذ تلك الخطوات ، زعمت السلطات أن سبب الأزمة في الدقيق يعود الى عطب في طواحين الدقيق وسوف يتم  اصلاح العطب خلال العام الحالي ، وبعد قليل من ذلك التصريح نجدهم يقولون إن الكثير من العوائق قد تم تذليلها ، ثم يتهمون التجار برفع الأسعار مستغلين أزمة الدقيق .

ويتضح تناقض أقوال النظام مع بعضها إذا تساءلنا عن العلاقة بين احتكار المحاصيل الزراعية وبين العطب في طواحين الدقيق والتصريح بحدوث العطب ثم تذليل العقبات . إذاً مهما بذل النظام من محاولات للتمويه على مراميه الحقيقية لن ينطلي ذلك على أحد .  ولنفترض صحة الزعم بعطب المطاحن فننظر للمسألة على ضوء هذا العذر الذي قدمه النظام ، في ظل نظام يدعي اتباع المبدأ الاقتصادي الحر يفترض ألا تمتلك الحكومة المصانع ما لم تكن على ثقة من تأمينها لحاجة مواطنيها في جميع المجالات وعلى رأسها الغذاء ، ومادام النظام قد أخذ على عاتقه مسؤولية توفير الغذاء ما الذي يجعله يهمل المطاحن حتى تصل الى هذه الدرجة من البلى والعطب ، وإذا كانت المطاحن هي السبب فلماذا تروح التجارة والتجار كبش فداء لتقصير الحكومة ؟! يعتقد النظام أن الشعب بلا ذاكرة ، فبالأمس القريب وعندما جأرت الجماهير بالشكوى من غلاء إيجار المنازل أفتت السلطات بأنها ( تتبع النظام الاقتصادي الحر وأن كل شيء يتحدد سعره وفق مبدأ العرض والطلب وبالتالي فإن الحكومة غير مخولة التدخل في تحديد الأسعار ، ثم لماذا لايرجع من يعانون من غلاء تكاليف المعيشة بالمدن الى قراهم وبواديهم فيعشون أحراراً في أكواخهم هناك ) !! إذاً لماذا لجأ النظام الى تغيير مبدئه الحر عندما تعلق الأمر بالغذاء ؟ ألا يخضع إيجار البيوت وأسعار المواد الاستهلاكية لذات المبدأ ؟ .

من جهةٍ أخرى صرح السيد علي عبده المتحدث باسم وزارة اعلام النظام لإذاعة صوت أمريكا ( قسم التجرينيا ) أن حكومته قد أنفقت آلاف الملايين من الدولارات في سبيل إيصال بث القناة الفضائية الارترية الى كل أنحاء العالم ، والسؤال هنا هو : ألم يكن شعبنا الذي يتعرض ثلثاه للموت جوعاً أولى بتلك المليارات ؟! ألم يكن الأمن الغذائي أولى بالانفاق عليه من تلك الفضائية الفارغة المحتوى ؟ . إن رجال النظام لا يتعرضون لما يتعرض له شعبنا من جوع وعرى ومسغبة وبالتالي سوف لن تلتقي همومهم ولا أولوياتهم بهموم وأولويات الشعب المغلوب على أمره ، ولكن يهمهم جداً أن يجروا العمليات التجميلية تلو الأخرى على نظامهم ورئيسه وأن ينفخوا في أبواق حروبه العبثية ودعاياته وادعاءاته الجوفاء . ليس الأمر أمر أزمة في الدقيق أو عطب في المطاحن ، إن المسألة تكمن في انعدام احساس السلطات بالمسؤولية عن شعبها .

إن أزمة النظام الحالية اللتي اضطرته الى احتكار التجارة والزراعة تعود بالدرجة الأولى الى ندرة العملة الصعبة في خزينته وذلك لأن مصادره لهذه العملة قد تعرضت في الآونة الأخيرة الى النضوب ، حيث جف منبع المغتربين من داعمي النظام وتقلص الدعم التنموي الأوربي لاحساس الداعمين بذهاب دعمهم الى غير أغراضه وأخيراً إيقاف أمريكا لوارداتها من ارتريا بحجة عدم حوجتها اليها ، يضاف الى هذه المؤشرات تفريغ السلطات لسفينة دعم إغاثي قادمة من غرب أوربا بواسطة الجيش من أجل الاستيلاء على أجرة التفريغ لصالح خزينة الدولة ، تلك الأجرة اللتي كان المفترض أن تدفع بالدولار للعمال المدنيين ، كذلك بينما رفض النظام في السابق اللقاء بمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة نجده الآن يبدي استعداده للقاء به بعد تلقيه وعداً من مبعوث الاتحاد الأوربي في جولته الأخيرة باثيوبيا وارتريا بتقديم دعم تنموي للبلدين . من هذه المؤشرات يتضح أن النظام يرى أنه أحوج الى وأولى بكل مليم من التجار أو المزارعين أو غيرهم .

ج . ت . إ . م . ث . مكتب الثقافة والاعلام

13 ــ 4 ــ 2004م

 

 


Contact Us at:   webmaster@nharnet.com