|
خدمة وطنية أم عبودية جديدة ؟!
خدمة الوطن هدف مقدس ونبيل
، خدمة الوطن تعني خدمة الشعب ولا نظن أن هناك من يرفض خدمة شعبه ووطنه ، إن
النضال الذي استمر مدة نصف قرن سلمياً مرة ومسلحاً مرة حتى توج بالاستقلال
الوطني كان في حد ذاته خدمةً مخلصةً لوجه الله والوطن أداها شعبنا بكل تضحية
ونكران ذات ، إذاً مبدأ تأدية الخدمة الوطنية لا خلاف عليه من الناحية النظرية
، وهو مبدأ معمول به في معظم الدول المتقدمة ، وفي تلك الدول يحق لمن لا يريد
أداء الخدمة في المجال العسكري لأسباب صحية أو معتقدات دينية ترفض التعامل مع
السلاح أو أدوات القتل ، يسمح لهؤلاء بأداء الخدمة في حقول مدنية تناسب أعذارهم
، وفي دول كالسويد مثلاً تحترم الانسان وتقدر جهده وسعيه أياً كان وأينما كان
عندما يتقدم اليها مواطن ارتري ناضل في سبيل وطنه أثناء الكفاح المسلح طالباً
حمل جنسيتها تعتبر ما أداه من خدمة لوطنه الأم كافياً فلا يطالب بأداء الخدمة
مرةً أخرى .
إن الاقرار النظري
بالزامية الخدمة الوطنية في أي وطن ليس مجرداً من اعتراضات على تطبيقه في ظروف
محددة تتعلق بنوعية النظام السائد ومدى ديمقراطيته وحفظه لحقوق شعبه الانسانية
وحرياته الأساسية ، ومن هنا يمكن الموافقة على تطبيق مبدأ الخدمة الوطنية أو
الاعتراض على تطبيقه وفق الظروف السائدة في البلد المعني .
ولنأخذ النموذج الارتري
الحالي للخدمة الوطنية مثالاً تشريحياً لظروف التطبيق اللتي أشرنا اليها :
نظام الحكم السائد في
ارتريا اليوم هونظام حكم الفرد الواحد والحزب والرأي الواحد ، لا يوجد دستور
ولا مؤسسات دستورية تحمي حقوق الشعب من التغول عليها ، ولذا فإن أسلوب الخدمة
الوطنية المعمول به في ارتريا لا يشبه ذلك المعمول به في الدول الديمقراطية بأي
حال من الأحوال ، إن مجرد اطلاق اسم الخدمة الوطنية على أية تشريعات أو تدابير
مزاجية لا يعطي تلك التدابير قدسية المشروعية الوطنية ، ولأننا في ارتريا لم
نجن من هذا المشروع المسمى بالخدمة الوطنية الا العذاب والهلاك وعدم الاستقرار
الشامل لكل مناحي الحياة لا يعقل أن ندعم أو نؤيد مشروع النظام لمجرد أنه يحمل
اسم الوطن أو يرتديه شعاراً يخفي به نزعاته العدوانية المريضة . ومن غرائب
الصدف أن قانون الامبراطور هيلي سلاسي للخدمة الوطنية كان أفضل بكثير من نموذج
اسياس ، لقد كان الطلبة الجامعيون في عهد الامبراطور يؤدون خدمتهم الوطنية قبيل
انهاء دراستهم الجامعية في المجالات المدنية كالتدريس وغيره ولمدة عام واحد فقط
ثم يعودون لاتمام دراستهم وممارسة حياتهم المدنية العادية ، ولم يحدث في ذلك
العهد أن استدعي الطلبة من مدارسهم أو معاهدهم لأداء الخدمة العسكرية بالجيش
حتى عندما كانت اثيوبيا محاطةً بالحروب من كل الاتجاهات كحرب التحرير الارترية
وحرب الحدود مع الصومال .
ولكن نموذج اسياس للخدمة
الوطنية حصر الخدمة في المجال العسكري فقط والى آماد غير محدودة ، وهذا الأسلوب
ينسجم مع طبيعة تفكير اسياس ، ذلك لأن اسياس وصل الى سلطته عبر تصفية خصومه
ومنافسيه بالقوة العسكرية وحدها ، والقوة في رأيه هي الملاذ الأول والأخير في
تحقيق أهدافه المشروعة وغير المشروعة ، وغير خافٍ على أحد أحلام اسياس القديمة
والجديدة في أن يصبح رجل المنطقة الأقوى ، وإذا أضيف الى ما سبق من عوامل عدم
وجود قوانين وهيئات دستورية تقيد النظام يتضح مدى الخطورة اللتي يتعرض لها
الشعب والوطن على أيدي هذا النظام الأرعن ، ولهذا نراه يشعل الحروب مع دول
الجوار ، وعندما قرر غزو بادمي دعا كل مجندي الخدمة الوطنية من أول دفعة الى
آخر دفعة بالاضافة الى الطلبة وأمرهم باصلاح الطرق اللتي استخدمها فيما بعد
للأغراض العسكرية ثم لم يعتـّم أن خاض بهم حرب بادمي ، ولعدم وجود الهيئات
الدستورية والقانونية كما أسلفنا لا أحد يستطيع مساءلة النظام أو محاسبته على
ما يفعل ، فقد وجهت الدعوة للشباب لأداء الخدمة العسكرية على النحو التالي :
ستة أشهر تدريب وخدمة عسكرية وعام خدمة مدنية حسب الخبرة والاختصاص ويعود
المجند بعد ذلك الى حياته المدنية الطبيعية ، ولكن الذي حدث في الواقع هو
اعتبار كل مجندي الخدمة الالزامية أعضاء في جيش النظام يتعرضون للمعاناة من كل
مغامرات النظام وحروبه العبثية دون مساواتهم بأفراد الجيش في الامتيازات
المالية والعسكرية ، كما لم يصدر قرار بتسريح مجندي الخدمة من العمل العسكري
حتى هذه اللحظة ، ولا سبيل الى رفع الصوت بالاحتجاج على هذا الوضع المعوج
عسكرياً ومدنياً وقانونياً لأن الاحتجاج والاعتراض لا مكان لهما في دولة
اللاقانون واللادستور ، وفوق كل ما تقدم من حقائق هناك من يحكم عليهم بالاعدام
بتهمة الهرب او التهرب من أداء الخدمة الالزامية ، ولا يمر الشهران أو الثلاث
الا وهناك حملة تجنيد يعيث خلالها جنود النظام نهباً وسرقة في منازل المواطنين
تحت ستار البحث عن المختبئين تهرباً من التجنيد ، ولا يعود جنود النظام خالي
الوفاض من تلك الحملات ، فإذا لم يعثروا على من تجب عليهم الخدمة من الشبان أو
الشابات يقومون بسوق الآباء والأمهات رهائن يخضعون لكل أنواع التعذيب والتنكيل
، حملات التجنيد لا تستثني طالباً ولا عاملاً ولا مزارعاً ولا عابر سبيل الا
وتدفع به الى معسكر التدريب بساوا ومن ثم الى الحروب والمهالك ، وكل ما يتقاضاه
المجند من راتب هو مبلغ 400 نقفة في الشهر تمنح لأسرته ، هذا في الوقت الذي نجد
فيه تكاليف المعيشة في حدها الأدنى تتجاوز الـ 700 نقفة ، أما في أوقات السلم
فإن المجندين يعملون بالسخرة في مختلف الأعمال اليدوية الشاقة واللتي تخص قادة
النظام العسكريين ولا يعطون فرصة انجاز مثل تلك الأعمال لأسرهم اللتي هي في أمس
الحوجة الى عرقهم وكدهم . إن خدمةً وطنية من هذه الشاكلة لا يختلف اثنان على
كونها عبودية سافرة وقنانة حديثة بعثت فيها الروح على أيدي زبانية إسياس
وبالتالي لا يحق لمن يحترم كبرياء الانسان وكرامته أن يطلق عليها اسم الخدمة
الوطنية . أما ما يرتكب من عسف وظلم بحق المرأة الارترية في عهد هذا النظام فقد
أصبح حديث العالم ، إن حالات الانتحار وسط النساء تتزايد يوماً بعد يوم ، وتأتي
حوادث الاغتصاب والحمل غير المرغوب فيه على رأس الأسباب ، وبعد كل ذلك نجد من
يدعون بلا حياء أن حقوق المرأة في ارتريا مصانة وبالفعل فإن من لا يستحيي يقول
ويصنع ما يشاء ، صحيح أن هناك طرقاً تعبـّـد ومنشآت تبنى وتقام ومزارع تفلح
وتستصلح ولكن كم من الأسر قد جاعت وكم من الأطفال قد يتموا وكم من الحقوق
والأعراض قد سلبت وانتهكت في سبيل ذلك ، إن ما حدث من فظائع وخسائر مادية
ومعنوية دفعها شعبنا من ماله ودمه وعرضه لا تقبل المقارنة بما تحقق من فوائد ،
إذا كان المعيار في الحكم بصحة ما اتخذ من سياسات هو الانجاز فإن القائدين
الفاشيين هتلر وموسوليني أيضاً قد أنشآ العديد من الطرق البرية والحديدية
وأقاما المصانع حتى في البلاد الأجنبية اللتي احتلاها ، ولكن كل تلك الانجازات
لم تبرئ ساحتهما مما ارتكباه بحق شعبيهما وكل الانسانية ، ويذكر كل من اطلع على
التاريخ أن أهرامات مصر بنيت بالسخرة وأن آلافاً من العمال قد كانوا ضحايا تلك
التحف المعمارية الفارهة ولكن لا أحد يزعم أن الفراعنة أصحاب تلك البدائع
المعمارية كانوا يحكمون بين الناس بالعدل والمساواة ويراعون نشر مبادئ
الديمقراطية وحقوق الانسان . لا شك أن شعبي ألمانيا وإيطاليا هما الذان استفادا
من تلك المنشآت اللتي ورثتها الأنظمة الديمقراطية اللتي خلفت النظامين الفاشيين
، كما لا نشك أن شعبنا هو الآخر سوف يستمتع بمنجزات اليوم إذا ما ساد النظام
الديمقراطي بديلاً لنظام اسياس الدكتاتوري ولكن في ظل هذا الأخير سوف لن يجني
شعبنا من كل عرق يصبه في أرضه الطاهرة الا الحسرة والندم والدمار المتواصل على
كل الأصعدة . إذا كان ثلث شعبنا اليوم قد تعسكر وثلثه قد تشرد بفعل حروب النظام
العبثية ، وشبابنا قد ترك البلاد بادئاً موجة هجرة لم نر لها مثيلاً حتى في حقب
الاستعمار الأجنبي ، والحكم السائد نظام دكتاتوري ذو عقلية عسكرية ، إذا كانت
الأحوال السائدة في بلادنا بهذا السوء الذي عددنا صوره كيف نحلم أو نزعم أن
شعبنا سوف يستمتع بثمار الخدمة الوطنية الحالية من طرق ومنشآت وغير ذلك من
ثمارالعبودية والقنانة اللتي تمارسها زمرة إسياس الحاكمة تحت شعار الخدمة
الوطنية المقدس .
لقد بدأ شعبنا يعبر عن
مقاومته لهذا الاستغلال البشع والجشع الذي يمارسه النظام باسم الوطن وخدمة
الوطن ، ومن صور هذه المقاومة : الاستبسال في الاعتراض على انتزاع أبنائه
للتجنيد الى درجة الاستشهاد ، تسهيل الهرب لأبنائه والتشجيع عليه والتستر على
الهاربين وحمايتهم ، تزويد تنظيمات المعارضة ومنظمات حقوق الانسان بالمعلومات
عن تجاوزات النظام . ولا جدال أن هذه المقاومة سوف تزيد قوةً وجرأة حتى تتحول
الى معارضة صريحة وشاملة للنظام . نحن في جبهة التحرير الارترية ـ المجلس
الثوري نؤمن بصحة وضرورة مبدأ الخدمة الوطنية ولكن بتشريعات تستند على الدستور
وتتقيد بالقانون وتصدرها هيئات شرعية تمثل سلطة الشعب وتخدم وترعى مصالحه
الوطنية ، حيث ينص برنامجنا السياسي في مجال السياسات الدفاعية على الآتي :
( هدفنا هو إقامة دولة
يسودها السلام والديمقراطية وتأكيد قيم السلام والاستقرار محلياً واقليمياً
وعالمياً ) ، وذلك يعني أننا سوف نكرس كل طاقاتنا من أجل سيادة الأخــوّة وحسن
الجوار بين وطننا وجيرانه ، وأن جهودنا سوف تتركز على إعادة بناء وتأهيل ما
خربته ودمرته الحروب المتواصلة في وطننا ، وعليه سوف نبني جيشاً وطنياً تكون
مهمته الدفاع عن السيادة الوطنية وحماية الدستور والمؤسسات الدستورية والمشاركة
الإيجابية في الحياة المدنية العامة ، على أن يتم ذلك بالطرق الآتية : ــ
ــ بناء جيش مهمته حماية
الوطن والدستور والمؤسسات الدستورية .
ــ عدم السماح بإقامة
القواعد العسكرية الأجنبية في بلادنا .
ــ عدم المشاركة في حروب
خارجية الا تحت مظلة الشرعية الدولية .
ــ منع انتاج أو تخزين
أسلحة الدمار الشامل في بلادنا .
ــ سن قوانين للخدمة
الوطنية .
ــ لا يصطبغ الجيش بأية
صبغة سياسية ولا يأتمر الا بأوامر السلطة المستندة الى الدستور والمنتخبة
ديمقراطياً .
ــ يشارك الجيش في الانتاج
.
ــ يمنح أفراد الجيش الذين
لا يستطيعون مواصلة الخدمة العسكرية ما يكنهم من العيش معتمدين على أنفسهم .
ج . ت . إ . م . ث . مكتب
الثقافة والاعلام
9 ــ 4 ــ
2004م
Contact Us at: webmaster@nharnet.com |