FOLDERS:                  EDITORIALS:
 

التاريخ صناعة شعبية

معظم الأحداث اللتي تشكل معالم تاريخية بارزة في العالم هي من صنع الشعب ، ولذلك نجد كل أمر كان للشعب فيه الدور اللائق يتكلل بالنجاح والتوفيق وكل ما يصنع ويحاك من وراء ظهر الشعب يكون مصيره الفشل الذريع والنتائج الوخيمة ، وهذا لا ينفي أن هناك من يتجاسرون ويجترؤون على هذه الحقيقة المنطقية من رجال السياسة   قديماً أوحديثاً فيحاولون ادعاء قيادة دفة التاريخ ، على أن هذا الادعاء الزائف دائماً ما يكون أحد الأسباب الرئيسية للصراع والخلاف بين الجماهير وبين بعض القادة السياسيين أصحاب هذه النوع من التفكير .

ويكمن السر في انعتاق الكثير من الشعوب من نير مستعمريها الذين يفوقونها عدداً وعدةً وتطوراً نوعياً وكمياً ، يكمن ذلك السر في إيمانها بعدالة قضيتها ونضالها بإخلاص من أجل تلك القضية ، وحتى الشعوب المتطورة وصلت الى ما وصلت اليه عبر تفهم قادتها لمتطلباتها وضبط أدائها على إيقاع رغبات الشعوب، وإن كان للأفراد أدوار تاريخية فليس لتلك الأدوار الأهمية اللتي تفوق أهمية دور الشعوب ، إذاً قناعة الشعوب بقضاياها وتفاعلها مع أهدافها هي اللتي تصنع التاريخ وتبرز معالمه .

     النظام الدكتاتوري في ارتريا يعلن دون خجل وفي كل مناسبة تجاهله التام لنضالات وتضحيات شعبنا مدعيًا أن استقلال ارتريا نتاج جهد انفردت به الشعبية ليوحي من خلال ذلك بأن الأمر يختصر في دور أفورقي الشخصي وعصابته وصولاً الى تزييف التاريخ الارتري ، حاول إسياس وزمرته أن يدعوا صناعة معالم تاريخية عبر وعود جوفاء وتنطعات فارغة بجعل ارتريا سنغافورا إفريقيا وحادية ركب القرن الافريقي واعتبار الحدود بين دول الجوار مجرد خطوط وهمية ، وقد أثبت الواقع كم كانت تلك الادعاءات سخيفةً وكاذبة ، واليوم أيضاً وفي ظل أوضاع تتسم بالبؤس والتردي وعزلة قاتلة يعانيها النظام تواصل أبواقه صباح مساء ترديد وعودها السرابية بتحويل البلاد الى جنة أرضية عبر برنامج ماتسميه بـ( وارساي يكألو ) الانتاجي ، لم تقف ادعاءات اسياس عند حدود الممكنات فادعى يوماً قدرته على تعديل قوانين الطبيعة يوم اعلانه حرب بادمي عندما صرح بأن ( انسحابه من بادمي يعني أن الشمس سوف لن تشرق على الدنيا ) مبالغاً في وصف استحالة انسحابه من بادمي . لا يختلف اثنان على أن حصاد ذلك التنطع والتجاسر على الحقيقة كان كوارث لاحصرلها على الشعب والوطن . لقد سنحت لإرتريا فرص تاريخية  تؤهلها لتحقيق إنجازات عظيمة وإرساء معالم تاريخية فريدة عنما تحررت من النير الاستعماري في 1991م ونالت سيادتها الكاملة عبر الاستفتاء في 1993م ووجدت الدعم والقبول المحلي والاقليمي والدولي المنقطع النظير ، ولكن ضاعت تلك الفرص الذهبية لأسباب ترجع الى سوء استغلالها من قبل النظام الدكتاتوري الذي جثم على صدر البلاد ولا يزال ، ولا نظن أن ما عجز النظام عن تحقيقه في ظل تلك الظروف المواتية سوف يتمكن من تحقيقه اليوم في أحوال صار الوطن فيها مجرد أنقاض وأطلال سيادية باهتة الرسوم شاحبة المعالم، لقد أصبح شعبنا والمجتمع الدولي والاقليمي على قناعة راسخة بأن زوال النظام الدكتاتوري وحلول النظام الديمقراطي محله هو الذي سيمكننا من تحقيق نقلة تاريخية لوطننا وانتشاله من نفق الانهيار والتداعي المظلم وليس الجري وراء خدع وأضاليل أفورقي اللتي ثبت كذبها بالتجارب المتكررة واللتي لم تعد بحاجة الى المزيد من تكرارها ودفع تكلفتها الباهظة ، بل على العكس فقد انصرفت الآمال اليوم تلقاء قوى المعارضة الوطنية لتحقق الحد الأدنى من أحلام شعبنا المشروعة ، وبالطبع لن تتمكن المعارضة الوطنية من ذلك عبر استهلاك ذات أساليب النظام الدعائية البراقة بل بالأساليب الواقعية والموضوعية وتجنب المجازفة باطلاق الوعود اللتي تنقض قبل جفاف مدادها ، أما استغلال إرادة الشعب وتسخيرها في تحقيق الرفاه والنماء فلن يكون ممكناً الا في ظل الديمقراطية والمساواة ، وعند ذلك فقط يمكن لشعبنا أن يصنع المعجزات التاريخية ويكتب اسمه في سجلات الخلود ، وفي إشارة الى هذه الحقيقة البسيطة والمنطقية أثبتنا نحن في جبهة التحريرالارترية ـ المجلس الثوري في برنامجنا السياسي المقرفي المؤتمر الخامس النص الآتي : ( تؤكد ج . ت . إ . م . ث على ضرورة الديمقراطية ، لأنه في ظل الديمقراطية يتمكن المواطنون الارتريون من التمتع بكافة حقوقهم السياسية والانسانية ، كما أن الأجواء الديمقراطية هي الوحيدة اللتي يمكنها أن تؤمن المشاركة الخلاقة والبناءة لكل الوطنيين والمواطنين في مشروع التنمية الوطنية وإعادة بناء وتأهيل ما خربته ودمرته أيدي الاستعمار الأجنبي والدكتاتورية البغيضة ) .

لن يتم الحصول على دعم الشعب ومشاركته عبر المناورات والتكتيكات الساعية الى التحايل على الخضوع لحكم القانون وسيادة الديمقراطية ولا بإجراء الانتخابات المسرحية والكرتونية ولا بالادعاءات والوعود البراقة .

نرجو أن يكون الجميع قد استوعب الدروس المستفادة من تجاربنا وأن يكونوا في غنى تام عن تكرار الدروس والعبر مع ندرة الاعتبار وقلته .

 

ج . ت . إ . م . ث . مكتب الثقافة والاعلام

 

22 ــ 4 ــ 2004م

 

 


Contact Us at:   webmaster@nharnet.com