أوراق مهرجان ارتريا العشرين (( 1 ))

ما هي أسباب تقلّص مشاركة

الارتريين في الشأن السياسي؟

ولدي يسوس عمار

 

مدخل عام: ـــ

خلال القرن العشرين كانت مشاركة الناس في الشأن السياسيّ عالية، ويرجع ذلك الي التعبئة الأيديولوجية العالية والنضالات التحررية ضد الوجود الأجنبي، بيد أن المشاركة السياسية للشعوب بدأت تتقلص منذ الربع الأخير من القرن الماضي، وكانت حالة العزوف عن المشاركة السياسية أكثر بروزاً في البلدان ذات الأحزاب والأنظمة الديمقراطية، ففي اثني عشرة دراسة أجريت في دول أوربا وأمريكا الشمالية اتضح أن أكثر من خمسين بالمائة (( 50% )) من سكان تلك البلدان أعربوا عن عدم ثقتهم بأحزابهم وقياداتهم، كما أن ما يزيد علي خمسٍ وخمسين بالمائة (( 55% )) من سكان أمريكا اللاتينية لا يثقون بدورهم بأحزابهم.

 

إذاً فالعضوية الملتزمة حزبياً قليلةٌ جداً، ففي إيطاليا التي تعتبر الأفضل من حيث المشاركة السياسية للسكان نجد أربع عشر بالمائة (( 14% )) ممن بلغوا سن الرشد أعضاء في أحزاب سياسية، وتتقلص النسبة تدريجياً لتصل الي ثمانية بالمائة(( 8% )) في اليونان وأربعة بالمائة (( 4% )) في كلٍّ من إسبانيا والبرتغال، وتنحدر النسبة في بقية دول أوربا الي أقل من هذا، ويميل السكان هناك الي الاهتمام بتشجيع الفرق الرياضية وشؤون جمعيات أحيائهم الداخلية أكثر من الاهتمام بالأحزاب السياسية.

 

وعن أسباب العزوف عن المشاركة السياسية أو قلتها يذكر المحللون الآتي: ـــ

 

1-   المطالب المستحيلة التحقيق التي يتقدم بها المواطنون أعلى من قدرة الأحزاب السياسية علي تنفيذها وبالتالي يرى البعض أن الأحزاب ليست هي السبب.

2-   جرعة النقد العالية التي توجهها وسائل الإعلام إلي قادة الأحزاب الديمقراطية، كالاتهام بالفساد مثلاً وخاصةً بعد ظهور الفضائح السياسية الكبرى مثل فضيحة (( ووتر جيت)) وحرب فيتنام وظواهر الفساد المتكررة في إيطاليا.

3-   اختلاف وصراع الأجيال، فالكثير من الأحزاب السياسية القديمة تقاد بقيادات قديمة ومسنّة مما جعل فكر تلك الأحزاب أسيراً لأفكارها البالية وغير متلائم مع أفكار العصر عموماً وفكر الأجيال الجديدة خصوصاً الأمر الذي نشأ عنه صراع أجيال داخل تلك الأحزاب.

4-   حملات التشويه التي كانت تخوضها الدكتاتوريات السابقة ضد الأحزاب والأفكار الديمقراطية تركت آثاراً سيئةً علي انطباعات الشعوب عن تلك الأحزاب والأفكار من الصعب تصحيحها أو التخلص منها بين ليلةٍ وضحاها.

5-     خيانة الأحزاب المنتخبة ديمقراطياً لما وعدت وتعهدت به من برامج وتحولها الي دكتاتوريات عتيدة أفقد الشعب الثقة بتلك الأحزاب ووعودها.

 

الوضع الارتري: ــ

 

لا جدال في التفاف أكبر نسبة من الشعب الارتري حول ثورته وتنظيماتها في حقبة ما قبل الاستقلال الوطني، بيد أن الحقيقة التي لاجدال فيها أيضاً أن شعبنا اليوم لا يؤيد في أغلبه لا النظام الحاكم ولا من يعارضونه بالخارج.

 

لننتبه الي الآتي: ما تقدّر نسبته بما لا يقل عن خمسٍ وسبعين بالمائة (( 75% )) من الشعب الارتري هم من الشباب الذين تقلّ أعمارهم عن الثلاثين عاماً، أي ينتمون الي الفئة التي تراوحت أعمارها في فجر التحرير بين 10 ــ 15 عاماً ويبلغون اليوم ما بين الخمس والعشرين الي الثلاثين من العمر، مما يعني أن خمساً وسبعين بالمائة من شعبنا هم من الشباب الذين لا يعرفون عن الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا شيئاً ذا بال ومن ثم لا يشتاقون كثيراً الي أيامها الماضية.

 

أما إذا تحدثنا عن جبهة التحرير الارترية فالأمر مختلف، فمن تراوحت أعمارهم في 1981م (( عام خروج التنظيم من الوجود الفعال في الساحة الارترية )) بين العاشرة والخامسة عشر يبلغون اليوم الخامسة والثلاثين الي الأربعين من العمر، إذاً فمن يعرف جبهة التحرير الارترية هم قلة قليلة جداً تنحصر في من هم فوق الأربعين، إذاً عندما نتحدث عن دعم التنظيمات والانضمام الي صفوفها علينا أن نأخذ في الاعتبار تلك الحقائق.

 

نظام الشعبية لا شعبية له: ـــ

 

لقد حاز نظام الشعبية الذي استولى علي السلطة في أسمرا بعد التحرير علي الدعم والتأييد الشعبيّ الكافي.

  • كان عدد مؤيدي وأعضاء الجبهة الشعبية في 1991م أعلى بكثير مما هو عليه الآن.

  • والكثير ممن كانوا خارج الشعبية التحقوا بها بعد تحقيقها للعديد من الانتصارات ثم التحرير.

  • هذا فضلاً عن انضمام جزء من عضوية جبهة التحرير الارترية الي الشعبية.

  • عدد ليس بالقليل من الناس كانوا يرون أن النظام الجديد حينها يجب أن يعطى الفرصة والزمن الكافي كي يتحول الي نظام يشرك ويجمع الكل.

 

بيد أن النظام خيـّــب تلك الآمال وتطور الي الأسوأ حتى صار شمولياً دكتاتورياً، وبإيجاز يمكن القول إن نظام الشعبية قد بدأ يفقد ذلك التأييد الشعبيّ العارم للأسباب التالية : ــ

 

1-     تنكر النظام لكل تعهدات ووعود الثورة الارترية بتحقيق العدل والديمقراطية والمساواة.

2-   لم يعكس النظام أية رغبة في الحرص علي وحدة الشعب الارتري، ووضع إعلان إسياس الشهير بأنه لا يرغب ولن يسمح بـ (( مهرجان أو مولد تنظيمات )) كل الوطنيين من خارج الشعبية بعيداً عن المعادلة السياسية والمشاركة في أمر الوطن.

3-   بينما كان أعناق العالم بأسره تشرئب إلي أن تكون إرتريا الحديثة وطناً فاضلاً للديمقراطية والعدالة والسلام، إذا بإسياس أفورقي يدخل في عراكٍ طويل مع الدول والمنظمات الدولية الكبرى، وبرفضه للدعم الأجنبيّ قتل مسيرة التنمية التي انطلقت لتــــوّها، وجعل اقتصاد البلاد يتراجع.

4-     دخوله في حروبٍ مدمرة مع دول الجوار.

5-     رفض رأي المنادين بإدخال التعديلات علي النظام من داخل حزبه وحكومته، ومن ثم حوّل البلاد الي سجنٍ كبير.

 

مؤيدو نظام الشعبية اليوم قليلون جداً ويتشكلون من الفئات الآتية: ــ

 

1-     من يشتركون مع إسياس في درجة الإجرام والسجل الأسود وبالتالي لا تسمح ظروفهم بالانفصال عنه بأية حال من الأحوال.

2-     من لهم مصالح سلطوية مباشرة في بقاء السلطة الحالية.

3-     أصحاب المصالح الاقتصادية الأنانية الضيقة ممن لا يهتمون بمصلحة ولا مأساة الشعب العامة.

4-     علي الرغم من إقرارهم بشرور النظام الكثيرة هناك من يرون وبلا أية دراية أو دراسة أن البديل لهذا النظام ليس بالأفضل منه.

 

ماذا إذاً عن المعارضة السياسية الارترية؟

 

في البدء نؤكد علي أن مقولة أن المعارضة الارترية لم تحصل علي دعم الشعب غير موضوعية، ذلك لأن معارضة الشعب لهذا النظام تزداد يوماً إثر آخر، فبالرجوع الي حقبة 1991م نجد أنّ من يؤيد المعارضة كان قليلاً جداً، وكما ذكرنا آنفاً فقد أيدت النظام وقتها فئات كثيرة منها: من يدعمون النظام فقط لأنه نظامٌ ارتريٌٌّ خلف نظاماً أجنبياً استعمارياً بغيضاً وأن ذلك كافٍ لتأييده دون الالتفات الي هويته السياسية أو الفكرية، ومنهم من قال بمنحه الفرصة الكافية لإصلاح نفسه ذاتياً ومن داخله، والبعض كان يرى أنه لا يوجد في العالم من هو أفضل منه، وعلي العكس كان البعض يستغرب معارضة ذلك النظام والوقوف ضده متسائلاً: ما الذي تبغيه المعارضة؟ هل يعارضه البعض لأنه ليس نظاماً منبثقاً عن جبهة التحرير الارترية؟.....و....و ...الخ. بل كانوا يطلقون علي من يعارض النظام صفة الطابور الخامس، ولكن كل ذلك لم يعد الآن قابلاً للتسويق، بل انتهى عصره تماماً، فلم تعد المعارضة اليوم خيانةً وطنية، بل يعتقد شعبنا الآن أن طريق المستقبل المشرق لا يمرّ إلا بمعارضة هذا النظام وإسقاطه.

 

ولكن لا بدّ لنا هنا من الفصل بين مبدأ المعارضة وبين التنظيمات المعارضة الموجودة علي ساحة المعارضة في الوقت الراهن، فالمعارضة عموماً لها القابلية والقبول لدى الشعب غير أنه يمكن القول إن معظم تلك التنظيمات المنتمية الي المعارضة لا تتمتع بالتأييد الشعبي.

 

لماذا تفتقر تنظيمات المعارضة الي القواعد العريضة؟

 

1-   كل أسباب العزوف عن المشاركة السياسية علي مستوى العالم والتي أتينا علي ذكرها في فقرة المدخل العام مضافاً اليها سلوك وحملات نظام الشعبية لتشويه وتجريم المعارضة أدت الي ريبة الشعب بعامة التنظيمات السياسية الارترية وعدم ثقته بها.

2-   معظم أفراد شعبنا المتواجدين بالخارج هم ممن أنفقوا حقباً كبيرة من أعمارهم منخرطين في الكفاح الارتريّ المسلح، وبحكم أنهم دفعوا ما يكفي من الجهد والطاقة في سبيل الوطن فإنهم أقرب الي الإحساس بالتعب والرغبة في التقاعد، وأكثر المتواجدين هناك اليوم من شارك منهم في النضال أو لم يشارك تتنازعهم أفكار من نوع: الاهتمام بالأسرة، واستثمار الأموال في الوطن أو علي الأقل القيام بزيارة الأسرة والأقارب بارتريا.

3-   وينقسم من يتواجدون خارج الأطر التنظيمية إما الي ناشطين في منظمات للمجتمع المدني، أو من لا يرغبون في الخضوع لقيود تنظيمية، أو من لا قناعة لهم بجدوى الانتماء الي أي تنظيم من التنظيمات السياسية.

4-     تكاثر التنظيمات وانقساماتها المستمرة وغير المبررة أعاق عملية الانتظام في سلك التنظيمات السياسية.

5-   يجب ألا يغيب عنا أن خمساً وسبعين بالمائة من المقيمين بالخارج هم تحت الثلاثين عاماً من العمر وبالتالي ممن تأثــّــر فهمهم للوطن واهتمامهم به بهذه الحقيقة.

6-   اللاجئون الجدد الهاربون من جحيم النظام متأثرون بدعاية النظام السيئة عن المعارضة ولذلك فهم قليلو القناعة بفائدة الانضمام الي أيٍّ كان من التنظيمات، ويأتي فوق ذلك أنهم بدورهم وكسابقيهم من الأجيال التي خاضت حروب التحرير يرون أنهم تعبوا وأرهقوا من قبل هذا النظام وخاضوا جميع حروبه العبثية وبالتالي فقد آن لهم الأوان ليلتفتوا الي أنفسهم فيعودون الي الدراسة التي قاطعوها أو يبحثون عن كل ما يمكنهم من تحسين أوضاعهم وانتشال أنفسهم وأسرهم مما وقع عليهم من العناء، ولهذه الأسباب مجتمعةً نادراً ما ينضم هؤلاء الي تنظيمات المعارضة.

7-     قلما يؤمن الشعب بالداخل بجدوى المعارضة من الخارج.

 

ما يجب عمله من أجل إقناع الشعب بجدوى الالتفاف حول المعارضة واحتضانها: ــ

 

1-   علي التحالف المعارض تعديل الفقرتين المتعلقتين بالدين والقوميات من ميثاقه واستبدالهما بالنصّ علي برنامج يحقق نظاماً علمانياً يؤمـّــن الديمقراطية والمساواة.

2-   لابد من بناء جسم تنظيمي قوي يطبق هذا البرنامج خلال المرحلة الانتقالية، ولابد أيضاً من لملمة شتات المعارضة، هذا مع التعجيل بدمج وتوحيد التنظيمات المتقاربة.

3-   هذه هي الصيغة التنظيمية التي تستطيع تأطير أكبر فئات شعبنا كماً ونوعاً ألا وهي أجيال المقاتلين السابقين والأجيال الحالية الشابة، علي أن تلعب العناصر الوطنية الديمقراطية أكبر الأدوار في تسيير المرحلة الانتقالية، إذ بذلك يمكننا الوصول الي برنامج يمكننا من بناء أفضل العلاقات الأخوية الوفاقية بجيراننا كالسودان واثيوبيا.

أشكركم من أعماق قلبي علي ما أسديتموه لي من حسن الاستماع.

 

ولديسوس عمار

فرانكفورت / كالباخ / ألمانيا

السبت / السادس من أغسطس 2005م.

 



Send your articles/opinions to:   webmaster@nharnet.com