العمل السياسي مهمة شعبية (( 3 ))

 

جبهة التحرير الارترية ـ المجلس الثوري

مكتب الثقافة والإعلام

3 / 12 / 2005م

 

ليس هناك من بلادٍ تنال الديمقراطية لأنها قد خلقت لها أو تجملت لها وتزينت، بيد أنه لا سبيل لبلدٍ ما الي البناء والازدهار إلا بالديمقراطية، والديمقراطية هي النظام الإداري الوحيد الذي يؤمـّــــن إشراك الشعب في بناء وتطوير الوطن.

 

في الحلقتين السالفتين من هذا المقال أكدنا على قاعدة اساسية مفادها أن السياسة هي الأداة الوحيدة التي ينظم الإنسان ويدير بها حياته في كافة المجالات، لذلك هو ليس في حاجة دائمة الي الاهتمام بها فحسب، بل في حاجة لأن يعتبرها حقاً وعملاً من صميم مهامه في الحياة، الأمر الذي يستوجب عليه ألا يفرط في هذا الحق ويتركه وديعةً في أيدي الآخرين يديرونه نيابةً عنه. كما أشرنا الي أن الشعب الارتري فرّط في حقه في قيادة وطنه فسمح لإسياس بأن يصبح دكتاتوراً، ولرجال حكومته أن يصيروا فاسدين.

 

وهذا يعني أنه ما لم تنتقل مصائر الوطن ومقاليده الي أيدي الشعب فسيظل الوطن والشعب وشؤونهما وشجونهما ضحيةً لعنجهية ورعونة إسياس وزمرته الحاكمة.

 

مرت على الشعب الارتري أربع عشر عاماً منذ أن أزاح من طريقه الوجود الأجنبيّ الذي ظل لأعوامٍ طويلة يشكل العائق أمام تطوره الذاتي، وتعني هزيمة القوى الأجنبية فتح الباب في ارتريا أمام التطور الوطني الحر، لكن شعبنا لم يحقق في سنوات الاستقلال التي أمضاها حتى الآن شيئاً يذكر مما حلم به، إن الباب الذي فتحه رحيل وهزيمة العدو الأجنبي كان يعني أن يقرر الشعب بحرية وجهة التطور الوطني المستقل، ولكن انتزع ذلك الحق من الشعب وأبعد المواطن تماماً عن مسرح القرار، وتنكــّـــــب الحاكمون طريق الأهداف الوطنية العليا في التنمية والسلام وسلكوا طريق الفشل والدمار، ومن الأسئلة والمسائل التي ما زالت عالقةً بغير إجابة والتي كان الشعب وما زال هو صاحب الإجابة عليها والقرار بشأنها: تحديد النظام الإداري الذي تدار به ارتريا، وبالطبع لكل نظام إداري عوائقه وشوائبه، إذ ليس هناك من طريق يخلو من الشوك والحصى، ولكن في نهاية الأمر لابد من اختيار طريق أقل شوكاً وحصى يقود مسيرة البلاد من الأفضل الي الأفضل.

 

في عالمنا العديد من النظم الإدارية التي تقود مسيرة حياة الشعوب، والشعب الارتري بدوره مرّ في حياته بالعديد من أنواع الحكومات والنظم الإدارية الأجنبية التي تعاقبت عليه، فقد تتالت عليه ثلاث أنواع من الحكومات الاستعمارية الأجنبية هي الحكم الإيطالي الفاشستي والحكم الاثيوبي الامبراطوري في عهد هيلي سلاسي والدكتاتوري في عهد منقستو هيلي ماريام، ليعقب الوجود الأجنبي حكم وطني دكتاتوري مضى عليه حتى الآن أربع عشر عاماً، وطيلة هذه الحقب سواء تلك التي خضع فيها الشعب الارتري للحكام الأجانب أو التي يتولى حكمه فيها الآن حكامٌ من أبناء الوطن لم يذق شعبنا للحريات والحقوق طعماً، حيث لم تكن الطبيعة السياسية لتلك الحكومات ـ السالف منها أو الحالي ـ تسمح بإتاحة الفرصة للشعب للمشاركة في إدارة شؤون الوطن، ومثل هذه الأنظمة ذات الطبيعة الدكتاتورية والتي لا تقيم وزناً لمصلحة الشعب أو الوطن ليست جديرةً بثقة الشعب بها ولا بانصياعه وانقياده لها.

 

الديمقراطية هي اليوم سيدة الأنظمة الإدارية والتي تتمتع بأوسع القواعد من المؤيدين والداعمين، ذلك لأن الديمقراطية تعني في الأساس إشراك الشعب في إدارة شؤونه، ومن الأسس الرئيسة للديمقراطية، سيادة القانون المستنبطة من سيادة الشعب، وكل نزاع أو خلاف ينتج من اختلاف المصالح وسط الشعب يحتكم فيه الي المبادئ السياسية الديمقراطية، تحفظ الديمقراطية الحقوق والحريات الأساسية للمواطن، والديمقراطية هي الأساس الصالح الذي يرتكز عليه التطور الاجتماعي الاقتصادي، ولأن الديمقراطية تضع كل الإمكانات البشرية والمادية في مصلحة تطوير البلاد تعتبر من أكثر النظم السياسية أهليةً في تقليص معدلات الفقر.

 

إن ارتريا الحديثة اليوم يقودها من لا يلتقون البتة مع هذا الطريق القويم، ولفرض نظامهم الدكتاتوري وإيجاد القبول له وسط الشعب لم يتركوا ذريعةً أو وسيلةً سلكتها أو تذرعت بها الحكومات الاستعمارية البائدة من قبلهم إلا وسلكوها وتمسكوا بها، ومن أبرز الحجج التي يتذرعون بها، أن الشعب لم يتطور بعد الي المستوى الذي يستطيع معه إدارة شؤونه بنفسه، وهذه حجة انتهازية لا تختلف في شيء عمـّـــا كان يطرحه المستعمرون الأوربيون في وجه مطالب الاستقلال من دول العالم المستعمرة، حيث كانوا يرددون: أن الشعوب المتخلفة اقتصادياً وتعليمياً لن تستطيع الاستقلال بشؤونها الوطنية، إذاً فيم تختلف أطروحات نظام الشعبية اليوم عن أطروحات المستعمرين الغربيين الذين ادعوا أنهم جاءوا لنشر رسالة الحضارة والتمدن بين الشعوب المتخلفة وأن كل المطلوب من تلك الشعوب هو الإذعان لإرادة رسل الحضارة والإنسانية؟؟؟

 

الديمقراطية مثلها مثل كل شيء في حياة الإنسان قابلة للتطور والنمو والتمرحل مع كافة مراحل تطور الحياة الإنسانية، لذلك يمكن تكييفها بسهولة مع درجة تطور المجتمع المعني، فتتطور بتراكم التجارب وتتحسن ممارستها في مسيرة التطبيق.

 

قادة حزب الشعبية الحاكم يحاولون أن يظهروا أن في ارتريا لغمٌ سوف يتفجر بمجرد إدخال الديمقراطية في نظام حكمها، فيرون أن وحدة الشعب الارتري لن تقوم لها قائمة بعد إدخال النظام الديمقراطي، وأن الديمقراطية لا تصلح لبلادٍ مثل ارتريا، ولذلك يدعون الي الدكتاتورية بكل الوسائل والحجج وينفــّـــرون الناس من الديمقراطية بكل ما أوتوا من قوةٍ مادية أو معنوية، ولكن الحقيقة تقول أنه لا توجد بلادٌ تضررت من الديمقراطية بقدر ما توجد عشرات البلدان التي تضررت من انعدام الديمقراطية وما يتبعها بالضرورة من حقوق وحريات وما يترتب على فقدانها من فقرٍ وبؤسٍ وحروبٍ أهلية........الخ.

 

ليست هذه المرة الأولى في تاريخ النضال الارتري للمطالبة بإدخال الديمقراطية، ولكن لأنها ـ أي الديمقراطية ـ كانت بدرجةٍ ما سائدةً حسب مستوى تطور ذلك الزمان فالمطلوب الآن أيضاً جعلها مسايرةً لدرجة تطور مجتمعنا اليوم، وقد عبرت الأحزاب السياسية التي نشأت في ارتريا في الأربعينيات والخمسينيات عن درجة التطور السياسي الديمقراطي لمجتمع ذلك الزمان، كذلك ما كان يجري في حقبة الكفاح المسلح من إشراك للشعب في ثورته وتأهيله لإدارة نفسه بنفسه وتوعيته لمواكبة التطورات السياسية، كل ذلك كان وجهاً من وجوه العمل الديمقراطي، وقد توّج ذلك التطور الديمقراطي في مسيرتنا النضالية بالاستفتاء الشعبي على الاستقلال وهو نوعٌ من أرقى أنواع الديمقراطية الشعبية وقد أهدى الينا السيادة الوطنية الكاملة ، وباختصار كانت الممارسة الديمقراطية في وطننا مصدراً للتوحد والنمو والتطور، ولم تكن يوماً سبباً من أسباب الاضطراب والتفرّق ولن تكون.

 

إن من يزعمون أن الديمقراطية لا تصلح إلا للمجتمعات المتطورة اقتصادياً وسياسياً هم الدكتاتوريون الذين يتجاهلون عن عمد تاريخ نشأة الديمقراطية وتطورها، فقد بدأت الديمقراطية كوسيلة سياسية لإدارة شؤون الناس في عصورٍ فقيرة جداً من حيث التطور العلمي والاقتصادي وحتى السياسي بشكلٍ لا يقبل المقارنة بعالم اليوم، وتم قبولها منذ ذلك الزمان كأفضل النظم الإدارية، وهكذا تطورت الديمقراطية من أدنى الأشكال والمضامين الي ما نراها عليه اليوم من سعة انتشار وتطور رفيع في الشكل والمضمون، والتطور الثقافي الراهن لشعوب العالم الثالث عامة والشعب الارتري خاصة، ربما اعتبر الأفضل إذا ما قورن بتطور الشعوب الأوربية عندما بدأت عملية إدخال النظام الديمقراطي في حياتها قبل مئات السنين، لذلك فالزعم بعدم صلاحية الديمقراطية للبلاد غير المتطورة في حد ذاته عائق يحول دون إحداث التطور المطلوب، ودعوة لإبقاء الشعب في أسر الدكتاتورية وثالوث الفقر والجهل والمرض.

                              

 



Send your articles/opinions to:   webmaster@nharnet.com