|
اقلام /اراء واخبار |
|
التحالف الديمقراطي الارتري بين السقيفة والخليفة بقلم / محمد ادريس عبد الله 6/5/2007 منذ عام 1999م والمعارضة الارترية، المتمثلة في قوى التحالف الديمقراطي الارتري تتبارى في تسويق خطاب ليبرالي، محتواه الديمقراطي والتعددية والتداول السلمي للسلطة بعد أن كان بعض فصائلها يقاتل بخطاب فئوي وطائفي وإقليمي ولغوي، فكنا نسمع بأن توصيف المشكل في ارتريا هو سيطرة قومية معينة أو طائفة أو الدعوة بحقوق بعض شرائح المجتمع التي تتوحد في العبادة، علي أني لا أعبأ كثيراً بالشعارات التي يطلقها معتنقوها وقد يكون بعضها منطقياً ومبرراً، لأنهم أحرار في ذلك، ولكن أن يعتبر شعار ما، دون الشعارات الأخرى، أو وسيلة ما، دون أخرى هو أو هي الحقيقة، فهذا أمر لا يختلف في شيء عن الاستبداد الحاكم، بل إنه استبداد بديل يتحين اللحظة ليقهرنا جميعاً. وقد أصمَّ بعض التنظيمات آذاننا بأن السلاح هو الوسيلة الوحيدة لمقارعة طغيان أفورقي، وشككوا كثيراً في أهداف بعض القوى الوطنية والديمقراطية التي تخالفهم الرأي لدرجة أننا ظننا أن لهم جحافل أو طيراً أبابيل لا نراها، في حين أن الاثيوبيين عندما مشطوا أرجاء ارتريا في الحرب الأخيرة، لم نر من أطلق عليهم رصاصة دون قوات الدفاع الارترية. قد يكون خيار العنف وسيلة مشروعة في مقارعة الاستبداد والدكتاتورية، لكني لا أقر بأنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تحقق الأهداف دون تعبئة وتنظيم وتوعية الجماهير بالأهداف النبيلة، كما أن السلاح يجب أن تحدد أهدافه والغاية منه وتحديد ظرف استخدامه، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق بمبدأ إلغاء الآخر وإقصائه واحتقار أهدافه وبرامجه، والهدف الأسمى في مقارعة الدكتاتورية هو كسب الجماهير وعزل الطغاة عن الشرائح ذات المصلحة الحقيقية في التغيير الديمقراطي، وهذا لا يتحقق إلا بانتهاج خطاب وطني ديمقراطي لا يغذي الغرائز الاجتماعية والعصبيات. بتكوين التحالف الديمقراطي الارتري واستمراره ثمانية أعوام، استبشرنا خيراً، وهو ربما يكون الإنجاز الوحيد للمعارضة الارترية الذي سوقته ارتريا داخلياً وخارجياً في مقارعة الدكتاتورية، ولكن دعونا نرى مدى التزام التحالف بخطاب الديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة. ففي الوقت الذي يقول فيه الدكتاتور: إن الشعب الارتري بحاجة إلى الخبز وليس الديمقراطية، كنا نقول: إن سؤال الخبز هو نفسه سؤال الديمقراطية. وعندما كان يرفع شعار (شعب واحد قلب واحد) كنا نقول شعب واحد بقلوب متحابـــَّـــة، وليس اختزال نبض شعبنا في نبض الدكتاتور. وكنا نقول أيضاً وحدة الشعب في تنوعه الثقافي والسياسي واللغوي والديني. وفي قوله أننا لسنا بحاجة إلى مجلس وزراء وبرلمان كنا نقول أنها ضرورية للحد من السلطان المطلق.. ومازلنا مع مبادئنا ولم تتغير قناعاتنا بعد، إن لم تكن أكثر تصميماً. ولكن هل نحن في التحالف الديمقراطي نطبق من الناحية العملية بعض أو كل تلك المبادئ الديمقراطية؟ بداهة نعلن إيماننا بها ولكن في الممارسة مربط الفرس. إن انتقال الخطاب السياسي المقهور من الانزواء خلف الشحن الغرائزي الطائفي والإقليمي والقبلي، إلى خطاب وطني ديمقراطي يخاطب شرائح واسعة من الشعب الارتري، عبر تأصيل نهج الديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة، هو إضافة وطنية لرصيد قوى المعارضة الارترية، يقرِّبها كثيراً من تلاحم الجماهير وملامسة خيارها في التغيير الديمقراطي، وقد كان لبعض فصائل المعارضة وخاصة جبهة التحرير الارترية/ المجلس الثوري دوراً مهماً في خلق قدر من ذلك الوعي الذي عاشه التحالف الديمقراطي عبر تدعيم أواصر النضال المشترك بين الفصائل والأحزاب المعارضة، وخلق برنامج الحد الأدنى والتعايش السلمي عند الاختلاف، كما أنه يحمد ( لحركات الجهاد الإسلامي الارتري) تخليها عن خطابها الايديولوجي (مؤقتاً) وانتقالها إلى السياسة، مما قرّبها الي الآخرين وأعاد الثقة في العمل معها ضمن مبدأ الإقرار بالآخر والتعايش معه، كما تم استيعاب التنظيمات الفئوية والقومية نسبة (لمجموعة عرقية لغوية) وليس كما يفهم من ذلك حسب التعبير التاريخي لمفهوم القومية، بإشراكها في إطار التوليف السياسي بصرف النظر عن ماهية مظالمها وصدقيتها، وكانت الحصيلة التحالف الديمقراطي الارتري الذي لم يخلُ يوماً من بروز الإشكالات ذات الخلفية الفكرية أو السياسية أو عودة بعض التنظيمات والأحزاب إلى حديقة الكيمياء الاجتماعية وخلق تحالفات على أسس الكميونات القبلية والإقليمية والطائفية، وهي ردة تضر بالنضال الوطني الطامح للتغيير وتطيل أمد الاستبداد في ارتريا. كان لمسألتي الشريعة والقوميات دور في خلق التباعد السياسي بين قوى المعارضة داخل التحالف، وبما أنه قد توافق عليها في مؤتمر التحالف الأخير فإنه يبدو ليس هناك من مبرر للعودة للمربع الأول في تكريس ظاهرة الانقسامات، ومنذ البداية لم يكن من المنطقي إدراجها وكأنها نقاط محل اتفاق، وذلك لكونها تتعلق بالدستور الوطني الارتري، إلا أننا فوجئنا بانقسام التحالف إلى موقفين (مجموعة السبعة تنظيمات ومجموعة الثلاث) وذلك في مسألة من يرأس الجهاز التنفيذي، وهو بكل صراحة صراع سلطة على رأس التحالف الديمقراطي وهي عادة قديمة منذ ( سقيفة بني ساعدة ) في اختيار الخليفة وقبلها، وليس حسين خليفة الذي تمتع بدون اعتراض بدورتين بالتوافق، وقد يكون البعض نسي أن حسين خليفة جيء به في سقيفة اديس أبابا خلفاً لحروي تدلاباريو الذي لم يقل موقعه حينها لغطاً من لغط اليوم بشأن حسين خليفة، وذلك لاعتراض جبهة التحرير الارترية/ المجلس الثوري على ترشيحه حينها، وفي رأيي، أنه من الناحية الأخلاقية والأدبية والسياسية كان الأجدر بالسيد حسين خليفة أن لا يكون عنواناً جديداً لتكريس الانقسام، بعد كل الجهد والعرق والتضحيات التي بذلت من أجل إقامة التحالف، ويظهر أن القيادة المركزية للتحالف تقاتلت في جلد النمر قبل اصطياد الصيدة وهذا تقدير غير موفق في منطق السياسة، ومن عرض مواقف الطرفين يلاحظ أن مبررات إحدى الغرفتين (غرفة السقيفة من التنظيمات الثلاث) منطقية وواقعية مقارنة بغرفة الخليفة من التنظيمات السبعة. ولكن بالنتيجة أن المحصلة كانت إطالة لأمد معاناة شعبنا وإعادة إنتاج روح الفرقة والتناقض وهو فشل لقيادات التحالف الديمقراطي وخاصة قيادته المركزية في الاختبار الأول من تطبيق مبادئه في تداول السلطة التي هي ركيزة مهمة للديمقراطية والتعددية السياسية، فكيف سيقنعنا قادة التحالف بأنهم فعلاً جادون في تطبيق هذه المبادئ السامية في إطارهم النضالي قبل أن يؤطروها نظاماً سياسياً يحكم الوطن كله؟ ومن أين ستأتي ثقة الجماهير بهذه النخبة التي تجيد فن تفكيك وتركيب وإعادة إنتاج العصبيات والكيمياء الاجتماعية دون الوطنية.. إنها مأساة أخرى لا تقل عما يعيشه شعبنا في الداخل من قمع وحجر على الحريات. ألا يكفي أن أفورقي سلطاناً مطلقاً لا يقبل بتداول السلطة؟ إذاً لماذا نستبدله بآخر لا يقل عنه صلفاً، سوى أنه يدعي بأنه نقيض الدكتاتور.. يظهر أننا نعيش مرحلة الدكتاتورية الوقحة والدكتاتورية المتوعدة خارج الحدود، إلا إذا لم يعد الطرفان (السقيفة والخليفة) إلى أسس الميثاق الذي أقر في المؤتمر، وعلى لجان الحوار الوطني دور مهم في تقريب وجهتي النظر أو خلق شكل من أشكال التنسيق والحوار بعد أن أصبح الانقسام واقعاً، على أن نصل إلى مؤتمر الحوار الوطني بدل خلق ثقافة التناقض والكراهية التي ظننا أنها غادرت معسكر المعارضة وأصبحت اللسان الوحيد للطاغية في أسمرا؛ إذ يغنينا طاغية حاكم عن طاغية متوعد لا يملك من العمر إلا قليلاً. وكعادة الأقلام غير الموضوعية فإن بعض الأطراف والكتاب بادروا في شخصنة الخلاف وجعل بعض القيادات (إبليس) المعارضة لدرجة أننا ظننا أنهم وجدوا الملائكة والقديسين في من ناصروهم رأياً. أما بخصوص المعارضين الذين انسلخوا من معسكر الدكتاتورية إلى المعارضة وهم تنظيمات وشخصيات وبعض قوى المجتمع المدني التي تعتبر رصيداً مهماً لقوى المعارضة الارترية والبعض منها عضو في التحالف الديمقراطي .. نتساءل لماذا ينظر إليهم بعين الريبة والشك؟ خاصة وأن مواقفهم وأفعالهم لا تقل عداءاً للنظام الدكتاتوري من هؤلاء الذين هم خصوم تاريخيون لتجربة الجبهة الشعبية، ولمصلحة من هذا الخطاب السمج الذي يعطي فصيلة دم مختلفة لكل معارض، كأن فعل المعارضة هو من أرومة اجتماعية خلقت لهذه الوظيفة لا غير. فالمناضل محمد نور أحمد الذي نقدر له ثقافته الواسعة وجرأته في الدفاع عن الحرية وعن اجتهاده في ابتداع الأفكار والدفاع عنها متى ما رأي صوابيتها دون كلل وملل في كل محفل مناهضاً سلطة الفرد، وعندما ذهب بعد التحرير مغموراً بفرحة الاستقلال كان ذلك نتيجة لقناعة سياسية لم يخفها، وعندما وجد أنها عكس تقديراته عاد أدراجه، ومهما اختلفنا معه أو اتفقنا فإننا نقدر له أنه من القيادات التاريخية لجبهة التحرير الارترية، والذي يفكر بالعلن عن قناعاته وأفكاره ومحاور لا يمل، ولا يجيد فن فحص الملل والنحل والعيش على ثقافة الاستعلاء والنقاء العرقي التي امتهنها بعض قادتنا لدرجة أنهم لا يأبهون بالآراء والأفكار، بل بأرومة حاملها وجنسه لذا فإن التغيير في أفكار ميثاق التحالف لا يعني لهم شيئاً بقدر ما يهمهم تحريك التحالفات الاجتماعية القبلية والطائفية. ونقول إنه من القيادات التاريخية لأنه أقدم كثيراً من بعض القيادات التي تختزل اليوم تجربة جبهة التحرير في شخوص يصنعون لها تاريخاً يلغي دور الآخرين ويحشرونها في السحنة والملة كأنها إرث قبلي ورث من الآباء وليس تجربة للشعب الارتري بكل أطيافه، فينتقون الشهداء ويعظمون دور بعض القادة لأنهم من الملة إياها، أما معظم أبطال جيش التحرير فهم طابور خامس في نظرهم، وهذا تزييف لوعي الأجيال الحديثة لا يقل عما تقوم به السلطة من تزييف لتاريخ الشعب الارتري. أما هؤلاء الذين هم من صلب تجربة الجبهة الشعبية ويناضلون معنا من أجل التغيير، فهم لا يقلون معارضة للنظام من بقية الفصائل التي أسست معسكر المعارضة، إن لم يكنوا أكثر جرأة، وهم يخلقون شكلاً من أشكال التنوع في التجارب، يخرجنا من روح الثأر التنظيمي بين (الجبهة والشعبية) وإذا كان هناك من يعتقد أنهم ارتكبوا جرماً ما، فإن في ارتريا الديمقراطية مجال لقضاء عادل سيقف أمامه حتى المعارضون القدماء، لأن لنا ما نسألهم عنه، وعندها سوف تظهر الحقيقة. أليس هذا الفعل الذي يخلق الانقسام والحروب الأهلية جريمة بحق الشعب الارتري؟ من يتحمل ذهاب جهد وعرق الشهداء والمناضلين الذين جسدوا التضحيات؟. من التدقيق في مرافعات الطرفين (السقيفة والخليقة) في التحالف الديمقراطي يظهر أن هناك سوء تفسير لنصوص ميثاق التحالف ونظامه الداخلي، أو مخالفة نصوصه، أو العجز في نصوصه، إذ لم يكن هناك قصور في الجانب القانوني والدستوري الذي يحدد كيفية اختيار القيادة، بالرغم من أن القاعدة العامة التي درج عليها التحالف هي التوافق والتشاور، وإلا لما احتكر أحد التنظيمات موقع الرئاسة (الجهاز التنفيذي) لأطول مدة دون تراضي بقية أعضاء التحالف، والآن بعد أن أصبح الانقسام واقعاً علينا خلق مساحة من التعايش بين المختلفين دون اللجوء إلى الشحن والحملات الإعلامية التي تضر بالقضية الأهم، وهي مقارعة الدكتاتورية وإجراء التغيير الديمقراطي وعندها يجوز كل اختلاف وصراع على السلطة لأن المصالح تكون أكثر وضوحاً وإغراءاً.
.تنبيه: المقال المنشور يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي هذا الموقع Send your articles/opinions to: webmaster@nharnet.com |