إن عملية المصالحة تبدا بالتغيير الذاتي

محاضرة قدمها المناضل /اسفاو برهى

في مهرجان إرتريا الثالث والعشرين

 

من المتعارف عليه عندما يقال مصالحة تعني وصول المتخاصمين إلى إتفاق سواء كانت هذه الاطراف المتخاصمة افراد او جماعات او هيئات اوتنظيمات او حتى دول وشعوب . وهذا يعني إعادتهم إلى وضعهم الطبيعي حيث العيش والعمل المشترك معا . وبالطبع هذا لايتم الوصول إليه إلآ بالمناقشة والتفاوض والتفاهم .ما من شخص إلا ويذم الخصومات والمشاكل ويسعى لتفاديها كما لايوجد على الإطلاق من لايحب  الإتفاق و المصاحة والتفاوض ويمدحها وينادي بها. وذلك لإدراك الجميع ان لافائدة من المشاكل والخصومات. والمفقود هو الطريق إلى ما يعرف بالمصالحات الناجحة النادرة. يفهم من الصلح إنه يحدث بين طرفين مختلفين ولكنه يعني بنفس الدرجة الشخص وذاته فحتى الفرد العادي عندما يكون مغلوبا في امره وقلقا في حياته  فيذهب إلى طبيب نفسي ويشكو من متاعبه  النفسية ينصحه ذلك الطبيب بالتصالح مع الذات. فما بالك باهميتها لتنظيم له الكثير من العلاقات والاعمال المدروسة. من     الواضح ان التنظيمات الإرترية ترغب وتعمل جاهدة للإيفاء بمتطلبات المرحلة

والمجلس الثوري ومنذ اربعة اعوام مضت  وضع نصب عينه  بعض القضايا التي إعتبرها من عوامل إستراتيجية النجاح والإنتصار. وكان يعمل في سبيل تحقيقها.ولكن اعطى الاولوية للوضع الداخلي وركز في إدخال التغيراتوالتحديث في التنظيم .لانه ادرك  ان ليس هناك شيئ يمكن تحقيقه دون إحداث  التغيرات الداخلية. وهذا التغيير كان نابعا من قناعة مفادها إذا لم نصلح اوضاعنا الداخلية ونكون جزء من عملية التغييرالذي نناضل من اجله لايمكن القيام  بعمل فعال وناجح.وعندما يقال تغيير وتحديث نعني به إدخال اساليب جديدة في التفكير والتاطير واساليب عمل نضالية جديدة  وتجديد الوفاء للعمل التنظيمي  وإدخال طرق جديدة لحل المشاكل  ليس هذا فحسب  وإنما يتضمن طرق التعامل مع الشعب وبقية تنظيمات واحزاب المعارضة الإرترية وكذلك اسس قواعد المصالح المشتركة  التي تبنى عليها العلاقات مع شعوب وحكومات منطقتن والإسلوب الذي تتم به إ دارتها

إن اعضاء المجلس الثوري  وبعد قيامهم بتاسيس حزب جديد مع الإرتريين الذين يتفقون معهم في الراى والاهداف يكونوا قد خطوا خطوة كبيرة  في مسيرة التغيير المنشود إن التخلص من سلبيات التاريخ الماضي وإيجاد سبل  وادوات نضالية جديدة تتناسب مع وقتنا الحالي ركن اساسي في عملية التحول الديمقراطي. وإن اي تنظيم او حزب او جماعة او فرد يرغب في التغيير  ويناضل لتحقيقه  يجب ان يبدا التغيير في نفسه اولا.

ونحن الإرتريون خضنا نضالا طويلا وتمكنا من طرد المستعمر الاجنبي وتحقيق الإستقلا وبدانا مرحلة جديدة هي مرحلة بناء الوطن وتعميره.واساليب التفكير والتاطير والتنظيم التي إ تبعناها في المراحل النضالية السابقة كانت تتناسب مع درجة الوعى في تلك المرحلة ولكن  اليوم نجد ان الكثير من تلك الاساليب  غير صالح في وقتنا الراهن  .

إن العوامل التي كونت فهمنا واساليب نضالنا كثيرة ومن اهمها.

*الاهداف المطلوب تحقيقها.

*الوضع الدولي.

*المراحل النضالية السابقة  وما تركته من تاثير في ذاكرة شعبنا  وثقافتنا.

-الاهداف المطلوب تحقيقها:-

ان اية مرحلة نضالية لها اساليب ومفاهيم تتبعها لتحقيق اهدافها. وفي ايام الاستعمار كان هدفنا طرد العدو من بلادنا. وكوطن وشعبنا ان اردنا البقاء كان خيار الكفاح المسلح امر لابديل له. وحتى نعيش في وطننا كشعب لابد للعدو ان يزول. اما هدفنا اليوم هو ايجاد ارتريا الديمقراطية التي يستطيع ان يعيش فيها كل ابناء الوطن معا بسلام وفي ظل العدل والمساواة تختلف عن اهدافنا السابقة في مرحلة التحرير ولتحقيق هذه الاهداف ذات الرسالة الجديدة علينا اتباع اساليب نضالية جديدة تتناسب مع هذه الاهداف.

- تأثير الوضع الدولي على اختيار اساليبنا النصالية:-

ان مرحلة الثورة كانت متأثرة بالفلسفة الثورية التي كانت سائدة في تلك الفترة.

* ثقافة البندقية مصدر السلطة السياسية.

* انتصر انا ويهزم معارضي وتكون لي الملكة على خصمي .

* وقت كان التفاكر والتشاور والتفاهم يعتبر انتهازية.

* وقت كان ينظر فيه الى اخذ بعض الملاحظات في الاعتبار بانه تنازل عن الحقوق.

ولكن اليوم من المعلوم ان المخرج الوحيد للانسانية هو الايمان بالتعددية والعيش والعمل بصورة مشتركة.

المرحلة النضالية السابقة وما تركته من تأثير في ذاكرة شعبنا وتطورنا الثقافي:-

ان ذاكرة شعبنا تحتفظ بأن من لايملك القوة ولايسنده قوى لاينتصر. وليس من السهل ماتحتفظ به ذاكرة شعبنا من اننا خضنا كفاحا مسلحا ضد عدو اكثر عدة وعتادا وحققنا استقلالنا. والشئ المؤسف ان الكفاح المسلح لم يستخدم لطرد العدو فحسب بل تم استخدامه وبطريقة بشعة جدا فيما بيننا ايضا. وهى تجربة مريرة نذكرها بكل اسف والم وندم. ولكن هذا النوع من التفكير لم يفارق ذاكرتنا بعد. وهو من مخلفات مراحل حرب التحرير والذي يعتقد بالدرجة الاولى ان من لم يحمل السلاح لم يحقق اهدافه. وهذا الفهم يجب التخلص منه.

ان هذه المرحلة التي نعيشها اليوم هى مرحلة بناء الوطن وتختلف عن مرحلة التحرير السابقة في الاهداف والوضع الدولي الحالي، والتجارب المكتسبة من المراحل النضالية السابقة.  ومحاولة تجاهل كل هذه التطورات والاصرار لحل المشاكل الجديدة بالاساليب القديمة امر مستحيل.

كل المواطنيين يجب ان يساهموا في بناء الوطن. ولهم الحق في المساهمة الحرة في ذلك. ويجب ان يكون لديهم مايجمع بينهم في الوطن يتقيدون به ويعملون معا من اجل بناء الوطن والعيش فيه. وان القوة السياسية التي تتجاهل هذه الحقائق بصرف النظر عن تأيدها او معارضتها للحكومة هى قوة لم تراعي المكونات الاساسية للوطن. وتكون قد تجاهلت بان الاهداف المشتركة لا يتم تحقيقها الا بالعمل المشترك. وان كانت هناك جهات لديها مثل هذا الاعتقاد فعليها قراءة الوضع الراهن قراءة جيدة. وتكون على مستوى متطلبات الوضع الحالي. ان الوحدة عمل يبدأ من الاشخاص انفسهم وهى ليس بالضرورة اندماج بعض التنظيمات والاحزاب مع بعضها البعض وانما حتى اذا تم تغيير في حزب ما وفتح المجال لكل الذين يتفقون معه في الرأى وتحرك لخلق تجمع قوى وطنية يعتبرهذا تأكيدا للوحدة الوطنية. وقبل الذهاب بعيدا اذا نظرنا الى تجربة المجلس الثوري وتأسيس الحزب الجديد ومانتج عنها من مشاركة عضوية جديدة في الحزب ليس باقل من الوحدة التي كان يمكن ان يقوم بها المجلس الثوري مع ثلاثة او اربعة من التنظيمات سواء من حيث  العدد او النوع. ليس هذا فحسب وانما ازدياد التاييد الشعبي لعملية التغيير والتحول وهذا وما يؤكد لنا ان التغيير في اساليب التفكير والتأطير قادر لتجنيد طاقات جديدة في العمل النضالي.

وانطلاقا من هذه الحقيقة فأن الوحدة التي تحدث بين التنظيمات يجب ان تأخذ في الاعتبار متطلبات الوقت الراهن. حتى لايكون العمل عكس ماتتطلبه المرحلة. ان فهم متطلبات المرحلة والعمل بالتزامن مع هذه المتطلبات هو الخطوة الاولى في مسيرة الوحدة والمصالحة الطويلة. واذا فهم الكل احتياجات المرحلة واصبح مؤهلا للاجابة عليها فسوف لن يكون هناك اية مبررات  تمنع لادارة الخلافات بطرق سلمية.

 

 

ماهي المصالحة؟

الصلح هو ادارة الناس لصراعاتها بطريقة صحيحة والوصول الى اتفاق للعيش بالسلام. وحتى تبدأ مرحلة المصالحة يجب ان تسبقها مرحلة التعارف. وهناك مطلوب الوصول الى فهم مفاده اننا لا يكتمل امرنا الا بالوحدة. وحتى تكون مفاوضات المصالحة منتصرة يجب مراعاة الأتي:-

* ان تتميز المفاوضات بالاخذ والعطاء.

* ان يكون فيها استثناءات وتنازلات.

* التفكير في انتصار الكل.

* تبادل الثقة بين المتفاوضين.

وضع حل للخلافات لا يعني وصول العلاقات الى المستوى الذي يجب ان تصل اليه ولكن عندما يتم استخدام الحل الذي تم التوصل اليه بالطريقة المطلوبة يمكن ان تصل العلاقات الى المستوى المطموح. وحتى نقول ان خلافا ما بين جهات ما وجد حلا مناسبا فأن كل الاتجاهات تكون ملتزمة بهذا الحل ومقتنعة به. وهذا يتحقق فقط عندما يأخذ الحل في الاعتبار كل المشاكل ووجهات النظر لدى كل الاطراف. ومانشهده من تجربتنا فأن اهم صعوبات المصالحة تكمن في النقاط التالية:-

1-  يجب ان يتضمن الحل وجهة نظرى فقط:-

كما نلاحظ في تجربتنا وتجارب الاخرين. فأن الجهات المختلفة كل يحاول ان يقبل الاتجاه الاخر بوجهة نظره كما هى دون الاخذ في الاعتبار بما يراه الاتجاه الاخر. واذا بالامكان قبول وجهة نظر الجانب الواحد كما هى هذا يعني عدم وجود اى خلاف اساسا. وفي عالمنا اليوم يريد كل طرف من اطراف الخلاف تحقيق وجهة نظره فقط مما يعقد موضوع المصالحة ويطيل الوقت للوصول اليها. وهذا يؤدي الى ضعف العلاقات بين الجهات المختلفة.

2- لايتحقق التصالح الا بالوصول الى اعلى مستوى من درجات التصالح:-

من المعلوم ان اى جهات مختلفة ترغب للوصول الى اعلى مستوى من التفاهم والاتفاق. وكل له طريقتة التي يسلكها للوصول الى هذه الغاية. والمتخاصمين ليس بالضرورة ان يقال انهم وصلوا الى تفاهم تام واعلى درجات الاتفاق. لأن هذا يتطلب وضع خطط واتباع اساليب تقود الى ذلك وهذا لايتحقق الا بخلق الظروف التي تؤدي اليه. والايمان بضرورة ان هذا الوضع لايمكن الوصول اليه الا بالعمل بما تم الاتفاق عليه فحسب. وان عملية المصالحة اليوم هى اذا لم نتفق في كل الاشياء فلا اتفاق بيننا.ولكن بما ان الصلح بصرف النظر عن مستواه هو نوع من العمل المشترك فيجب المحافظة على ما تم الاتفاق عليه حتى نتمكن من الوصول الى الاتفاق فيما تبقى من المواضيع. واذا لم نبدا العمل المشترك ولو بالحد الادنى من الاتفاق فلا يمكن ان نصل الى الحد الاعلى من الاتفاق.

3- المخاوف من الوحدة:-

الجهات المتخاصمة كل له مخاوفه من الوحدة والمصالحة، فالقوي يتخوف من الضعيف حتى لاياخذ منه بعض ما يتقوى به والضعيف يخاف ان لايذوب في داخل القوى وكل يريد الانتصار لوحده دون غيره. وهكذا يعرقلون مسيرة المصالحة. واساسا يمكن ان يتحقق الانتصار عندما تضع اهدافا نبيلة وتكون مقتنعا وقادرا للعمل لتحقيقها وليس بالخوف والتحايل على حقوق الاخرين. واخيرا الجانب الذي  له هدف نبيل يعمل بقناعة تامة وبجدية لتحقيقه هو الذي ينتصر. والقضايا موضع النقاش يجب حلها خلال مسيرة العمل المشترك عبر الحوار والتفاهم المتواصل. وان المواضيع التي يتحتم عليك حلها يجب ان تبادر بمحاولات لحلها قبل ان تستفحل وتصل الى درجة يصعب فيها حلها.

والناس في هذا العالم مهما كانت لديهم من اختلافات عليهم ان يتصالحوا ويعيشون معا. وباحترام القوانين التي صادقوا عليها معا والتقيد بها ويجب ان يكون لهم الحق المتساوي لتحقيق طموحاتهم وفقا للامكانيات التي لديهم. اما التفكير القائل اذا لم تلتزم بوجهة نظري لاتستطيع العيش معى فهذا  تفكير الحكام الدكتاتوريين المستبدين المرفوض . وهو راس المشاكل في وقتنا الحالي .إن طريق المصالحة صعب ويتطلب المضي فيه مجهودا كبيرا وصبرا عاليا  وبالرغم من هذا لابديل له ولا يتم حل المعضلات المستعصية إلا به.ومعلوم إذا توفرت الرغبة الصادقة لدى كل اطراف المصالحة فانها ممكنة التحقيق.

إذا لم يكن خيارنا  لخل المشاكل المصالحة  فإن الخيار الاخر هو محاولة حلها عن طريق العنف. وهذا النوع من الحلول لايتم اللجوء إليه إلا بعد إستنفاذ كل الحلول والوصول إلى طريق مسدود بصرف النظر عن إمتلاك إمكانيات الحسم فيه.وبتعبير اخر ياتي  عندما لا تتوفر لدا احد الاطراف اية إمكانية لإقناع الطرف الاخر والغستمرار في الحوار معه. وهو إسلوب عاجز يلجا إليه من لايستطيع الإقناع بالحجة. ولايحقق حلا عادلا. قد تعتبر بعض الجهات اللجوء إلى العنف من القوة إلا انه دليل على إنعدام الحكمة والحجة المقنعة والقدرة على التفاوض. وبهذا فإن العنف لايحل مشكلة إنما يجعلها اكثر تعقيدا وعصية على الحل.

وفي تجربتنا لم نستخدم إسلوب المصالحة الصحيح للتعامل مع خلافاتنا حتى الان ومازلنا غير قادرين لإقناع الإرتريين بالتعايش السلمي معا .وإلى حين إتجاه الإرتريين نحو المصالحة علينا مساعدتهم في إيجاد وسيلة تخدم الكل ويستفيد منها الجميع. وحسب راينا فإن هذه الوسيلة الإتجاه الذي ياخذ في الإعتبار راي الجميع ويشركهم في العمل لمصلحتهم جميعا. والإتجاه الذي تتوفر فيه كل هذه المميزات يستطيع ان يجمع كل المؤهلات والطاقات الإرترية ويكون قادرا على حل المشكلات الإرترية .

وإن حزب الشعب الإرتري تاسس على قاعدة تحقيق المصالحة بين الإرتريين ويهدف إلى وضع اسس ثابتة لبناء إرتريا الديمقراطية. ويجب ان يكون واضحا للجميع إن عدم التخلص من المفاهيم التي لاتساعد في المصالحة والعمل المشترك يعتبر بمثابة عدم القيام بالدور المطلوب إتجاه الوطن والموطنين.

وفي الختام نستطيع القول كافراد وحزب ننادي بالتغيير والتحول ونعبشه في الواقع.وهذا التحو الذي بداناه يجب ان يستمر.من المؤكد هناك تحديات امام مسيرة التغيير والتحول ولكن الحل هو التمسك به والمضي  قدم في نفس الإتجاه. وإن النظام الذي نءيده في إرتريا هو نظام دستوري يحقق العدل والإستقرار والسلام. وعندما يقوم كل المناضلين من اجل التحول الديمقراطي بنشر ثقافة التغيير  نستطيع القول ان هناك ضمانات لتحقيق الإنتصار.

 

وشكرا...............

 



Send your articles/opinions to:   webmaster@nharnet.com