الذكرى الثامنة عشر لاستقـــــلال ارتريا

 

قسم الاعلام بحزب الشعب الارتري

20 / 5 / 2009م

 

ها هو يوم الرابع والعشرين من مايو، يوم الاحتفال بعيد الاستقلال الارتري يقترب، هذا بالطبع يعني العيد الثامن عشر لانعتاق ارتريا من نير الاحتلال الاثيوبي، وبهذه المناسبة يود حزب الشعب الارتري أن يعبر عن إكباره وإجلاله لمن فدوا الوطن والحرية بأرواحهم الغالية وسقوا الأرض الارترية بدمائهم الطاهرة، شهداؤنا هم التعبير الصادق عن توقنا للديمقراطية والتحرر، لذا يجدون الإعزاز والتقدير من كافة أفراد وقطاعات شعبنا.

 

بالتأكيد فإن الاستقلال الذي أنجزناه عبر نضالٍ شاق دام ثلاثين عاماً، كانت له أهداف سامية، علي رأسها احترام وحفظ حقوقنا وحرياتنا الأساسية، وضرورة أن يكون الشعب مصدر السلطات، إن الاستقلال الذي نلناه عبر صمودنا الأسطوري ودون عونٍ يذكر من حليف خارجي، وإن كان مرامنا أن نحصل من خلاله علي وطنٍ حرٍّ ديمقراطيٍّ أبيّ، إلا أن واقع الحال لا يشهد بتحقق ذلك الهدف علي أرض الواقع، إن مسيرة الاستقلال التي بدأت في العام 1991م لا تسير علي هدىً من رغباتنا وأمانينا، بمعنى آخر، نحن في الواقع نجدد كل عام الاحتفال بذكرى استقلالٍ لا ننعم في ظله بحقوقنا وحرياتنا الأساسية، ولا شك أنه من سوء طالع بلادنا أن تقع في قبضة دكتاورية حكم الفرد الواحد، الأمر الذي يعرضها اليوم لمخاطر التمزق والانهيار.

 

إن ما وقع فيه شعبنا من مأزق ليس بالأمر الذي يمكن الاستهانة بخطورته، فالجوع ومشقة العيش تتسع رقعتهما، اقتصاد البلاد يقف علي حافة الانهيار التام، انتهاك حقوق الانسان أصبح القوت اليومي لشعبنا، فالمواطن، سواء في بيته، قريته، أو أية منطقة أخرى يعيش فيها، لا يمر عليه يوم إلا وقد نال نصيبه أو جرعته اليومية من العناء الذي يلقيه علي كاهله النظام، باختصار يعيش شعبنا حياةً يومية ملؤها الرعب وفقدان الأمن والسكينة.  

               

تدفق سيل هجرة الشباب الي بلاد الجوار ومنها الي الغرب يتواصل، لذلك فأعداد الشباب داخل البلاد تقلصت كثيراً جداً خلال الأعوام الثمانية عشر عما كانت عليه قبل الاستقلال، وخلال الأعوام العشر المنصرمة بالذات تعرض التعداد العام لسكان بلادنا الي نقصٍ بشريٍّ حاد نسبةً لهجرة أعداد لا حصر لها من الشباب من جهة ولقلة نسبة المواليد من الجهة الأخرى، أما من تبقى من الشباب بالداخل، فحياته وزهرة شبابه قد راحت سدىً، حيث يعيش شاكي السلاح حبيساً في جبهات القتال، محروماً من ميزات الحياة المدنية كالزواج والإنجاب، مثل هذه الحياة التي يحياها شبابنا بالداخل لها بالطبع تأثير سلبي علي التعدد الاجتماعي، الثقافي، الديني واللغوي لبلادنا، بل من الممكن جداً أن تمتد آثارها السالبة الي النمو السياسي والاقتصادي لشعبنا، تلك الآثار والتبعات التي قد تستفحل أكثر وتستعصي علي العلاج في المستقبل.

 

زهاء ال250.000 فرداً من القوى القادرة علي العمل والانتاج في مجتمعنا تعيش منذ عشر سنوات حبيسةً في دفاعات القتال، من يحتاج لرعاية وإعالة تلك القوى من عجزة ومسنين وأطفال قد تركوا مهملين داخل أسوار المنازل، أي إن الأسر الارترية تعاني اليوم من قلة العائل والمسئول أكثر من أي وقتٍ مضى من تاريخها، آثار هذه الظاهرة لم يعد بمقدور أحد إخفاؤها، فهي بادية للعيان في الطريق العام، في الأزقة والحارات، في القرى والمدن.

 

الاعتقال، الاختطاف، الاختفاء، السجن بغير تهمةٍ ولا سبب معلن أو معروف بات أمراً يومياً مألوفا، لا بوجد في عالمنا اليوم نظام حاكم يمكنه التفوق علي نظام إسياس أفورقي في ميدان التصفية الجسدية لمواطنيه، سجنهم وممارسة كافة الانتهاكات بحقهم، بلادنا اليوم تعيش وضعاً إحصائياً غريباً، فمن جهة هناك جيش لا تحتمله قدراتها، ومن ناحية تشهد باستمرار تناقصاً مريعاً في عدد سكانها، إذاً لا يوجد في العالم في وقتنا الراهن من هو أكثر تعرضاً لهدر الحقوق والحريات الأساسية من تلك الملايين الأقل من الأربع الذين هم سكان ارتريا اليوم، من جانب آخر تتعرض بلادنا اليوم لما لم تشهد له مثيلاً في العصور الاستعمارية المتعاقبة عليها، الايطالية، الانجليزية والاثيوبية من تمزق وسير حثيث نحو التداعي والانهيار                                 

 

بالمقارنة بين ما حل بشعبنا من أضرار ومصائب وبين طبيعة النظام الحاكم، فإن الاقتصار علي إطلاق لقب الدكتاتور فقط علي إسياس لم يعد كافياً، باختصار، نجد هذا النظام وكأنه قد وطــَّـــن نفسه علي أن يدفن ارتريا وينفض يديه من تراب أنقاضها مرةً والي الأبد. هذا الوضع بصراحة يدفعنا للتساؤول عن: مــَــن، أين، هي المعارضة؟، بماذا وكيف تتصدى لمهامها الوطنية؟......الخ تلك الأسئلة المصيرية.

 

تنظيمات المعارضة الارترية تملك الإمكانات التي تؤهلها لتعبئة الشعب الارتري لمواجهة النظام الدكتاتوري، بيد أن الإشكال يكمن في عدم قدرتها علي تقديم نفسها للشعب بطريقة مقنعة ومطمئنة علي إثبات وجودها وأن بإمكانها أن تسقط النظام الاستبدادي وتشكل البديل الديمقراطي له، أما أسباب ذلك القصور فتكمن في ذهاب الوقت والجهد في المغالطات والمماحكات المتعلقة بخلافات الماضي من مراحل التحرر والكفاح المسلح بدلاً من أن تسخر الجهود والقدرات في سبيل العمل من أجل الديمقراطية والتغيير، كما لم تحاول تلك التنظيمات أن تعمل بطريقة منهجية مقنعة ومشتركة علي معالجة خلافات ومرارات الماضي العام أو الخاص بكلٍّ منها علي حدة. وهذا هو ما يعيق الكثيرين عن الفهم العميق للتحديات الارترية القائمة، ومثل هذه العقلية والثقافة والأحاسيس المريضة هي التي تحول دون حصول تنظيماتنا علي رضا وقبول الشعب، وإذا ما أردنا استعادة ثقة الشعب بنا يتحتم علينا بالضرورة التخلي عن تلك العقلية والثقافة البائدة، لقد أصبح الوصول الي أفئدة الأجيال الشابة من الارتريين العقبة التي تتحطم أمامها أشرعة ومجاديف قوى المعارضة الوطنية، إن غياب الشباب عن ساحة النضال يرتبط بصورة مباشرة بمعيقات مشاركتهم الكامنة في الطبيعة الاستراتيجية لذلك النضال. الحديث عن حقبة الكفاح التحرري لا جدوى له في مخاطبة عقول الشباب، ففي قاموسهم تعتبر مرحلة الكفاح التحرري تجربة بالية فارغة المحتوى وغير ملائمة لعصرهم، بل لن يجذبهم الحديث عن بطولات الماضي وأحداثه الي الانخراط في التصدي لتحديات اليوم، إنما ينفرهم ويبعد ويقلص دورهم ومشاركتهم.                          

 

كلنا يعرف تماماً أهمية وضرورة إشراك الشباب الارتري بفاعلية وعن قناعة، وانطلاقاً من هذا المفهوم استحدث حزبنا موقعاً تنفيذياً مختصاً بمتابعة شؤون الشباب والعمل علي استقطابهم فضلاً عن دعوته المستمرة لهم الي تقديم قدراتهم وآرائهم والعمل من ثم علي تعزيز دورهم وتأثيرهم في تشكيل الحقل والعقل السياسي لتنظيمات المعارضة.

 

في مثل هذه الأيام التي نحتفل فيها بيوم الاستقلال، يجب أن نركز جهودنا في كل ما يمكـِّــننا من استغلال الطرق والأفكار الحديثة في إنجاز مهمتنا المتعلقة بإسقاط النظام الدكتاتوري الجاثم علي صدور شعبنا. حزب الشعب الارتري يرى أن التصدي لمهمة إسقاط النظام الدكتاتوري لا يتم بانتهاج عقلية السبعينيات واعتماد مبدأ مواجهة العنف بالعنف.

 

من البدهي ألا تستطيع قوى المعارضة أن تكسب قلوب ومشاعر شعبنا وهي بهذا الضعف والتردِّي، لذلك يجب أن نبحث عن كل ما من شأنه تقوية دور شعبنا، ويعمل علي إيجاد عمل وتوجه سياسي ناجع تنبني استراتيجيته علي أسس سلمية وديمقراطية، إن التعامل مع قضيتنا بهذا المنهج العقلاني سوف تكون أولى وأهم ثمراته التفاف الجميع حول أهدافنا، وعندها سوف يستطيع شعبنا أن يتعرف علي القوة الجبارة التي تكمن في توحيد قواه أهدافاً ووسائل، وكل ما علينا هو أن نعي نحن في قوى المعارضة أيضاً أن النصر الذي يتحقق بتلك القوة الشعبية العظيمة والمسالمة أكبر وأدْوَمْ بكثير من النتائج غير مأمونة العواقب والتي يمكن أن تتمخض عن التصدي للعنف بالعنف.

 

من المؤكد أن النضال السلمي والديمقراطي بدوره ليس بالطريق المعبد أو المفروش بالورود، إلا أنه الطريق الذي يقودنا الي تحقيق مشاركة شعبنا وأحلامه وآماله، إنه الطريق الذي يمكننا من تغيير ثقافة العنف التي ورثناها من حقب الكفاح المسلح، ويرسينا علي مرافئ إرساء السلام الدائم الذي يؤمــِّـــن مستقبل الأجيال القادمة.

 

في الختام، لا يسعنا إلا أن نؤكد علي الحقائق التالية:  

لقد مرَّ علي استقلال ارتريا ثمانية عشر سنة، وفي هذه السنوات فقد المواطنون الارتريون حريتهم، كبرياءهم وكل ما يملكونه من شيءٍ عزيز علي النفس، أما النظام الدكتاتوري فهو ما يزال سادراً في غيه من فسادٍ وإفساد مطلق وإرهاب دائم وانتهاك متواصل لحقوق الانسان، بينما يحاول علي الدوام أن يضع أسباب ونتائج معاناة شعبنا المعاشية علي مشاجب الغير.

 

معسكر المعارضة بدوره لم يسجل خلال نضاله ضد النظام الدكتاتوري طيلة الثمانية عشر سنةً الماضية إنجازاً مميزاً في ميدان التغيير المنشود، صحيح أنه خلال السنوات القليلة الماضية تم تأسيس مظلة جامعة عرفت حيناً باسم التجمع وحيناً باسم التحالف، وحتى هذه المظلة لم تسجل بعد تقدماً ملحوظاً في مجال الإنجاز، أحد الأسباب الكامنة وراء ذلك القصور يعود الي عدم اعتماد روح أو عقلية جديدة ومواكـِــــبة في الفكر والممارسة النضالية في المعركة مع النظام الدكتاتوري، إذاً علي معسكر المعارضة أن يدخل التغيير علي أسلوب عمله، وبمناسبة الذكرى الجديدة للاستقلال يجب عليه استحداث أسلوب جديد للتغيير يتمكن من خلاله من استيعاب طاقات عامة الشعب والشباب منه بصفة أخص وتأمين مشاركته الفاعلة، أما إذا لم يتمكن من ذلك، فلا شك أنه سوف تواجهه عقبات وتحديات هائلة تحول بينه وبين استقطاب تلك القوى الأساسية الداعمة والمحققة لعملية التغيير، علينا أن نناضل من أجل وقف حالة الخراب والتداعي المستمرة في بلادنا حتى نتمكن من أن نعيد للاستقلال رونقه ونحقق الأهداف السامية لشعبنا.                                      

 

 

 



Send your articles/opinions to:   webmaster@nharnet.com