|
وأهم قرارات المؤتمر الوطني العام الخامس لجبهة التحرير الإرترية – المجلس الثوري
المؤتمر الوطني الخامسللوفاق والديمقراطية والتنمية أغسطس 2001 من التقرير السياسي المقدم في المؤتمر الوطني العام الخامس
|
|
بدايةً ، نهنئ أنفسنا بانعقاد مؤتمرنا الخامس هذا ، والذي حالت ظروفٌ خارجة عن إرادتنا ، عن عدم عقده في موعده المحدد في العام الماضي .يعقد مؤتمرنا اليوم في ظل أوضاعٍ دولية وإقليمية وداخلية وتنظيمية، تختلف في الكثير من أوجهها عن الأوضاع التي عقد فيها مؤتمرنا الرابع .
دولياًّ ، نمر بمرحلةٍ ترسخت فيها هيمنة القطب الواحد الذي يحاول تحت غطاء العولمة ، صبغَ الحياةِ السياسية والاقتصادية والثقافية لدول العالم بصبغته وبما تخدم مصالحه . إلا أنه من جهة أخرى بدأت أوروبا الغربية _ الحليف التقليدي للولايات المتحدة – في التململ من الهيمنة الأمريكية التي تهدد مصالحها ، فراحت دفاعا عن تلك المصالح ، وحتى ترقى إلى مستوى التنافس معها ، تخطو خطوات كبيرة في التكامل بينها وتمتين وحدتها وتوسيع مجالها بضم دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي ، كما قررت إقامةَ قوةٍ عسكرية للتدخل السريع منفصلةً عن حلف شمال الأطلسي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة . وقد أثار هذا الميل نحو الاستقلالية عدم رضى الولايات المتحدة وقلقها. وفي مناطق عدة من العالم نشأت تكتلاتٌ اقتصاديةٌ وسياسية حمايةً لمصالحها من الهجمة الهوجاء للعولمة ، التي تختفي وراءها هيمنة القطب الأوحد.
تعتبر الدول النامية أو دول الجنوب الأكثر تضرراً في عالم القطب الواحد. فمنظمة الأمم المتحدة لم تعد تلك المنظمة التي يؤمّل أن يُنصف فيها الضعيف إن تناقضت مصالحه مع القوى الأعظم . وفتحت العولمة أبواب ومنافذ دول العالم على مصراعيه ..ولكن ليتدفق كل شيئ في اتجاه واحد من الشمال الفاعل إلى الجنوب المتلقي .. ولم ينتج عن ذلك سوى توسيع الهوة بين الشمال والجنوب.
وإقليمياًّ ، تعج منطقتنا في هذه المرحلة بصراعات وحروب بشكل غير مسبوق .وإذا كانت المشكلة الصومالية قد بدأت مع سقوط سيّاد بري في عام 1991م ، وما تلاه من صراع على السلطة بين القوى التي أزاحته عن السلطة، إلا أنها قد تفاقمت في السنين الأخيرة ، حتى اضمحلت الدولة الصومالية وتلاشت . وقد انعكس الصراع الإرتري – الإثيوبي على الصومال سلبا . فنشوب الحرب بين إرتريا وإثيوبيا زاد المنطقة اشتعالا ، إذ أنها تعتبر من أشرس وأخطر الحروب التي عرفتها القارة في العقد الأخير من القرن العشرين. ويلوح اليوم بصيص من الأمل لأن يعود السلام والاستقرار للمنطقة بعد اتفاقية المصالحة الصومالية التي وقعت في جيبوتي وعادت بموجبها الدولة الصومالية للوجود ، وكذلك بعد توقيع اتفاقية الجزائر للسلام بين الحكومتين الإرترية والإثيوبية . ولكن هذا لا يمنعنا من رؤية المخاطر التي يمكن أن تعود بالمنطقة القهقري فمن ناحية ثمة فصائل صومالية لا زالت تعارض الحكومة التي انبثقت من اتفاقية جيبوتي، ومن ناحية أخرى هناك نظام الجبهة الشعبية الذي زرع النزاعات والحروب في المنطقة كلها ، والذي يصعب مع وجوده أن يستتب السلام والاستقرار فيها.
وإرترياًّ، لم يعد النظام بذلك العنفوان الذي كان عليه قبل خمس سنوات حينما كان يضرب كالثور الهائج يمينا وشمالا ليثبت لنفسه ولغيره بأنه القوة الإقليمية الأولى . لقد وضعته النكسات المتتالية، التي لحقت به، في حجمه الحقيقي ، فضعف وضعه الداخلي والخارجي ، وبدأ أنصاره ينفضون من حوله، وتعصف به اليوم الخلافات ، حيث يجري في أروقة النظام صراع شرس على السلطة . وبالمقابل لم يعد تنظيمنا في الوضع الذي كان عليه عشية انعقاد المؤتمر الوطني الرابع ، حينما كان يطارده النظام في كل مكان في المنطقة مستخدما نفوذه وعلاقاته مع دول المنطقة ..فاليوم ، النظام هو المعزول في المنطقة . أما تنظيمنا فتواجده راسخ فيها ، فقد خرج من تلك الظروف الصعبة بأقل الخسائر فأعاد تنظيم نفسه ، مما مكنه من التصدي للنظام وخططه الخبيثة ومن لعب الدور الرائد في وحدة المعارضة الوطنية وإقامة تجمع القوى الوطنية الإرترية بميثاقه الوطني الذي يمثل اليوم الأمل في تخليص البلاد من النظام الدكتاتوري المترنح .
منذ انفضاض مؤتمرنا الرابع في أكتوبر عام 1995م لم يغير النظام من نهجه الذي سار عليه منذ أن آلت إليه السلطة بعد التحرير بل وعلى العكس زاد من شراسته في التعامل مع المواطن وانحدر إلى استخدام أحط الأساليب وأخطرها على الوطن . فبجانب البطش والقهر والإرهاب ، راهن على سياسة ‘‘فرق تسد’’ لتمزيق وحدة الشعب التي التأمت خلال مرحلة النضال من أجل الاستقلال ، وذلك وصولاً إلى هدفه الأوحد في تركيز السلطة والثروة بين يديه. وقد استخدم أكثر ما استخدم واقع التباين الديني وحساسيته ، كعامل لشق المجتمع الإرتري على أساس طائفي .
فمنذ أن قطع علاقته مع السودان في أواخر 1994م ، متهما حكومته بإيواء حركة الجهاد الإسلامي الإرتري ومساعدتها للتسلل إلى الأراضي الإرترية للقيام بأعمال التخريب ، وهو ينكر وجود معارضين لنظامه مختزلا المعارضة كلها في ‘‘ المجاهدين الذين يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية في إرتريا عنوة ليجعلوا ممن لا ينتمي إلى الإسلام – حسب زعمه – مواطنين من الدرجة الثانية ’’ وهو كما نرى أسلوب رخيص يستخدمه النظام عن عمد في دق الإسفين بين أتباع الديانتين الكبيرتين في البلاد ، حيث يرمي من وراء ذلك كسب من يؤمنون بالعقيدة المسيحية ليكونوا قاعدته الاجتماعية بتخويفهم من الآخر طارحاً نفسه حامياً لهم ولمصالحهم من هذا الآخر الذي يتهددهم .! ولم يقتصر لعبه على وتر التناقضات الثانوية على الدين وحده ، بل استخدم الإقليمية أيضا سلاحا آخر يفرق به الشعب ويجعله يتصارع فيما بينه ليستأثر هو ‘‘بالغنيمة’’ ! وأمامنا الوثيقة الفضيحة التي صدرت في يوليو 2000م من سفارة النظام في واشنطن التي تؤكد لنا مرة أخرى أسلوبه الشيطاني في بث الشكوك بين أبناء الأقاليم المختلفة.
كان تنظيمنا مؤهلا أكثر من غيره، بحكم تركيبته الاجتماعية التي تعكس إلى حد كبير تركيبة المجتمع الإرتري وبخطه الوطني المعروف ، للتصدي لأطروحات النظام الخبيثة. ونستطيع أن نقول بأننا قد نجحنا في تعرية النظام وفضح أكاذيبه ونفاقه حيث أثبتنا للجماهير الإرترية العريضة ، بأن النظام لا يمثل أحدا غير نفسه، وأن تظاهره بالتقرب من هذه الطائفة أو ذاك الإقليم.. إلخ ليس إلا من مقتضيات سياسة " فرق تسد " التي يعتمد عليها للبقاء في سدة الحكم .
في فبراير 1997م ، عرض النظام دستوره على المجلس الوطني الذي تحتل اللجنة المركزية لحزبه نصف مقاعده، حيث أقر دونما نقاش أو اعتراض. ومع ذلك وكما تنبأنا في حينه ،حتى هذا الدستور الذي يمكن أن يقال أنه فُصل على مقاسه ، قد وُضع على الرف ، ولم يحاول أن ينفض عنه الغبار حتى بعد أن تعالت الأصوات المطالبة بالديمقراطية ، من داخل حزبه نفسه !
وفي الحقيقة، فإن الهزيمة التي لحقت بالنظام في مواجهته الأخيرة مع الحكومة الإثيوبية وما تمخضت عنها من نتائج مأسوية ، قد فتحت عيون الكثيرين من أعضاء الحزب الحاكم والمتعاطفين معه على حقائق كثيرة ومذهلة كانت مخفية عنهم أو كانوا بالأحرى يتجنبون رؤيتها . بل إن الإرتريين عامة قد شعروا بالمهانة ، حينما رضخت السلطة لشروط المنتصر ، فوافقت على أن تتنازل عن خمسة وعشرين ألف كيلومتر مربع من الأراضي الإرترية ، لتكون منطقة منزوعة السلاح وعازلة بين الجيشين ، بينما يبقى الجيش الإثيوبي على الحدود المشتركة دون أن يتنازل عن شبر من أرضه .
لقد كانت هزيمة مايو 2000م زلزالا عنيفا جعلت النظام يترنح من شدته ويفقد المصداقية لدى مناصريه ، الذين طالما خدعوا بأكاذيبه وصفقوا وهتفوا له كثيرا . ويبدو أن صدمة الهزيمة قد أعادت الوعي أيضا لبعض المثقفين الذين اختاروا – وللأسف – لأن يكونوا منظّرين ومبرّرين لأخطاء النظام متجاهلين كل الدعوات التي وُجّهت إليهم لأن يحكّموا ضمائرهم وأن ينحازوا إلى جانب شعبهم . هؤلاء المثقفون ، بدءوا بعد الهزيمة يتحدثون ويكتبون منتقدين ممارسات النظام ويشكون مر الشكوى من تمركز كل السلطات بين يدي الرئيس مطالبين بضرورة تبني نظام ديمقراطي تعددي وتحقيق المصالحة الوطنية !!لاشك أن هؤلاء الذين يبدو بأنهم قد انقلبوا على النظام لا يفعلون جميعا ذلك من نفس المنطلقات والدوافع . ومن حقنا أن نشك إن كانت ثمة صحوة حقيقية للضمير ورغبة خالصة في التغيير أم مجرد توزيع للأدوار متفق عليه مع السلطة للخروج بأقل الأضرار والحفاظ على السلطة بالقيام ببعض الترميمات.
ثمة تطور هام في هذه المرحلة، وهو ظهور جناح داخل الجبهة الشعبية يعارض علنا نظام حكم الفرد ، يمكنه أن يساهم في إضعاف النظام الديكتاتوري. ومع ذلك فإن عليه أن يحدد مواقفه بوضوح حول العديد من المسائل الأساسية التي تهم الشعب والوطن، حتى يتخذ له هوية سياسية محددة وحتى لا تؤخذ معارضته كصراع داخلي على السلطة.
لذا فمن الأهمية بمكان إجراء دراسة دقيقة وعميقة لما أفرزته هزيمة مايو من متغيرات داخل النظام من القمة إلى القاعدة ، ووسط الجماهير الإرترية العريضة في الداخل والخارج حتى يمكن التعامل مع تلك المتغيرات بدراية وتوظيفها لما يخدم قضيتنا .
ومن جهة أخرى لقد صار الوطن الذي كان يؤمل أن يحتضن أبناءه الذين شردتهم الحرب الاستعمارية ، طاردا لأبنائه في ظل حكومة الجبهة الشعبية . فهاهم الشباب الذي زج بهم النظام في أتون حرب لا يؤمنون بضرورتها ولا بعدالتها ، يهجرون صفوف جيشه ومعسكرات تدريبه ويتدفقون بالآلاف نحو السودان وإلى منافي العالم. إن رفض هؤلاء الشباب لحروب النظام لدليل على فشله في إقناع جماهير الشعب بصحة مواقفه وخياراته ، ولكن في نفس الوقت يضع تحديا جديدا أمام قوى المعارضة الوطنية وعلى رأسها تنظيمنا.
فهؤلاء الذين هجروا صفوف النظام لم يعرفوا غير الجبهة الشعبية وغير ما لقنته لهم وما قرءوه في كتبها التي تقلب حقائق النضال الإرتري وتشوه تاريخ رائدة الكفاح المسلح جبهة التحرير الإرترية . فهم بجانب حاجتهم إلى الحماية والأخذ بيدهم وهم يخطون خطواتهم الأولى في الغربة ، فلابد من التعامل معهم وفق برنامج محدد واضح في سبيل تأهيلهم لامتلاك الحقيقة وصولاً إلى كسب تعاطفهم ومساهمتهم في النضال الذي نخوضه من أجل تقصير أمد معاناة شعبنا بتقصير أمد مكوث النظام في سدة الحكم .
واقتصادياً، لم تعمل حكومة الجبهة الشعبية خلال السنوات الماضية إلاّ على تشديد قبضة حزبها على مفاصل الاقتصاد الوطني حتى تحول الحزب الحاكم إلى الرأسمالي الأكبر في البلاد . وقد أفضى ذلك إلى إحجام المستثمر الوطني والأجنبي عن الاستثمار في إرتريا بسبب المعوقات التي تضعها الحكومة أمامه حماية للمؤسسة الاحتكارية لحزبها .وقد استشرى الفساد داخل أجهزة الحكومة والحزب بشكل لا يمكن إخفاؤه مما أضطر النظام معه إلى إقامة محكمة خاصة في أبريل 1996م ، لامتصاص غضب الجماهير .
ومن ناحية أخرى فقد أهدرت حكومة الجبهة الشعبية موارد البلاد الشحيحة في حروبها العدوانية . فمنذ اندلاع الحرب مع إثيوبيا انخفضت قيمة العملة الوطنية إلى النصف بالنسبة للدولار كما تضخم جيش العاطلين، وزادت المجاعة، التي ألمت بأجزاء كبيرة من أقاليم البلاد ، الوضع المعيشي المأسوي الذي يعيش فيه المواطن سوءًا.
ولم تقتصر الآثار السلبية لتطبيق قانون الأرض الذي صدر في عام 1994م على الناحية الاقتصادية ، بل أفرز توترات اجتماعية وسياسية خطيرة. ففي إقليم القاش حيث استولى حزب الحكومة وأعوانه من الرأسماليين على الأراضي الخصبة بعد انتزاعها من أصحابها الذين لم يعوضوا بشيء ولم تلتفت إلى معاناتهم السلطة ، نشأت حركات إقليمية وقومية كرد فعل للظلم الذي وقع على الإقليم ، تطالب بتحرير أراضيها من مغتصبيها . كما حدثت توترات اجتماعية بين أبناء الإقليم وبين من منحوا الأرض من أبناء الأقاليم الأخرى .
كما أن مصادرة الأراضي الزراعية للقرى المتاخمة للعاصمة وعرضها للبيع بالدولار للمغتربين من الإرتريين قد أحدث تذمرا بين سكان تلك القرى ومقاومة صريحة لعمليات المصادرة .
وقد كان موقف تنظيمنا واضحا في معارضة سياسات النظام الاقتصادية التي أدت – بعكس ما ادعت الحكومة – إلى تدهور الأوضاع المعيشية للمواطن وإلى انخفاض معدل النمو.
وحينما صدر مرسوم الأرض تصدى له تنظيمنا على الفور مؤكدا على أيلولة ملكية الأرض للشعب ونافيا حق السلطة من انتزاعها من أصحابها ومنحها لمن لا يستحقها .
وحول بيع الأرض للمغتربين الإرتريين بالدولار أوضح التنظيم موقفه في بيان صادر من اللجنة التنفيذية، بتوجيه من المجلس الثوري، يدين ذلك التصرف اللامسؤول من السلطة ويحذر في نفس الوقت لمن يقومون بالشراء ممن لا يملك . وقد وجد موقف تنظيمنا هذا تجاوبا كبيراً من المواطنين.
علاقات النظام بدول الجواربعد انهيار الاتحاد السوفيتي واختلال ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي صارت القوة العظمى الوحيدة في العالم ، راحت هذه الأخيرة تحاول فرض رؤيتها وهيمنتها على مناطق العالم المختلفة دون منازع. وفي منطقة القرن الأفريقي ذات الأهمية الاستراتيجية وجدت في عدد من رؤساء دولها، الذين أطلقت عليهم الجيل الجديد من القادة الأفارقة، خير من ينفذ خططها ويحمي مصالحها. وكان حاكم إرتريا واحدا منهم ، حيث التقت حاجة نظامه للحماية من جهة وتطلعه لأن يلعب في القرن الأفريقي الدور الذي تلعبه إسرائيل في الشرق الأوسط من جهة أخرى ، مع مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة اللتان كانتا تبحثان عن أداة تنفذ خططهما فيها. إذن فإن افتعال النزاعات والحروب مع دول الجوار والمحيط والتي وقفت بجانب شعبنا خلال نضاله الطويل ، وتوطيد العلاقات مع من كان معارضا لحق شعبنا في تقرير مصيره وداعماً أساسيا للدولة المستعمرة ، لم يكن كل ذلك إلا ثمنا يدفعه النظام للذين أسبغوا عليه الحماية ورأى فيهم خير معين له في تحقيق طموحه القاتل في التحول إلى قوة إقليمية مرهوبة الجانب .
وهكذا لم نكد نخرج من المؤتمر الوطني الرابع ، حتى فاجأنا النظام بخلق أزمة جديدة مع جار أخر ، بعد عام واحد من قطع علاقاته بالسودان ودخوله في عداء مستحكم معه. كان البلد الجار والصديق المستهدف هذه المرة هو اليمن . لقد أثار معه نزاعا حول ملكية جزر أرخبيل حنيش . وبعد شهر واحد فقط من بداية النزاع ، كانت الجبهة اليمنية الإرترية قد اشتعلت ، بعد أن أرسل النظام جيشه لاحتلال جزيرة حنيش الكبرى في ديسمبر 1995م . وقد اتخذ تنظيمنا موقفا مبدئيا من ذلك النزاع ، حيث طالب بضرورة حله حلا سلميا وأدان اللجوء إلى السلاح لحل النزاع. كما توجه بالنداء إلى الحكومتين للعودة إلى طاولة المفاوضات وبعودة الأوضاع في الجزر إلى ما كانت عليه إلى أن يتحدد وضعها النهائي .
وفي مايو 1998م باغت الإثيوبيين الذين كانوا أقرب حلفائه، كما باغت اليمنيين من قبل، بزحف قواته نحو بلدة بادمي التي كانت تحت إدارتهم. وهنا أيضا لم يختلف موقفنا عن الموقف الذي اتخذناه عند نشوب النزاع مع اليمن وقد جاء في البيان الذي أصدرته اللجنة التنفيذية عندما تفجرت الأوضاع وأكدت فيه أيلولة بادمي إلى إرتريا ما يلي:-
" 1- الإقرار بأن حل النزاعات الحدودية لا يمكن أن يكون بالقوة العسكرية بل عن طريق الحوار والتفاوض ، ويجب إدانة كل من يلجأ إلى القوة . 2- سحب قوات البلدين من مناطق النزاع ، والعمل على إدارة شؤون تلك المناطق حسبما يتفق عليه الجانبان ، وذلك إلى حين التوصل للحل الدائم للنزاع. 3- إحالة النزاع إلى محكمة دولية يضع أمامها كلٌ من البلدين الأدلة والبراهين التي تثبت ملكيته للأراضي المتنازع عليها ويتعهدان بقبول الحكم الصادر عنها مهما كانت النتيجة . 4- السماح لمواطني البلدين المقيمين على الحدود من التنقل بحرية كسابق عهدهم عبرها طلبا للكلأ ولقضاء حوائجهم . 5- الإحجام عن كل الأفعال والأقوال التي تؤجج نار الصراع وتقود إلى الحرب." وقد وقع ما حذّر منه البيان حينما قال ‘‘إن لم يتم احتواء هذه الأزمة سريعا فإنها يمكن أن تتحول إلى حرب مدمرة يكون ضحيتها الشعبان الإرتري والإثيوبي ’’ ، فقد تحول النزاع الحدودي- بسبب عناد حكام أسمرا ورفضهم الحل المقترح من منظمة الوحدة الإفريقية في بداية النزاع - إلى حرب ضروس دفع شعبنا ثمنها غاليا . لم تَرُق مواقفنا المبدئية حينذاك سواء من حرب اليمن أو إثيوبيا ، للنظام ولكل الذين ينجرون وراءه دون تبصر والذين أعماهم التعصب والنظرة الشوفينية للأمور ، فكالوا لنا أبشع الاتهامات وأبذأ الألفاظ …. ونعتقد أنه ، وبعد أن وقع ما كنا نحذر منه ونخشاه ، قد أدرك كل من يملك ذرة من العقل مدى بعد وعمق نظرة تنظيمنا .. ونحن اليوم شهود كيف صار يتحدث ويكتب الكثير من الذين كانوا يستنكرون بياناتنا وأدبياتنا، بنفس مضمون تلك البيانات والأدبيات بل وبألفاظها في أحايين كثيرة. العلاقات الدولية :بعد المؤتمر الوطني الرابع ، عاد مركز نشاطات تنظيمنا ليكون قريبًا من الوطن . ونتيجة لسياساته العدوانية ، صار النظام معزولاً في المنطقة ، مما ساعد تنظيمنا للتواجد العلني في السودان واليمن وإثيوبيا وتنظيم نشاطاته فيها.
وعلى هدى ما ورد في البرنامج السياسي حول العلاقات الدولية ، عملت القيادة على تركيز نشاطات العمل السياسي الخارجي في دول المحيط ثم الدول الغربية.
لقد هيأت لنا الأحداث الأجواء المناسبة لممارسة نشاطاتنا في دول الجوار والمحيط ، حيث كانت لتلك النشاطات نتائج إيجابية في علاقاتنا مع تلك الدول . وثمة مجالات يجب إيلاءها أهمية كبرى حتى يكون لتلك العلاقات مردود كبير .
وفيما يتعلق بالغرب ، فقد سعينا لكسب عضوية الاشتراكية الدولية حتى نجد مجالاً أوسع للحركة ولكسب المزيد من الاحترام ،والإصغاء لأطروحاتنا بمزيد من الاهتمام وإمكانية تلقي الدعم كعضو في المنظمة الاشتراكية الدولية . وفي مسعانا لكسب العضوية وجدنا المساندة الكاملة من الأحزاب الاشتراكية السويدية والألمانية والفرنسية ، كما وجدنا تعاطفا من دول عديدة غيرها . ولذا يكون من مهامنا المستقبلية تطوير تلك العلاقات . كما نجحنا في فتح باب الحوار مع حزب الخضر الألماني وعملنا على تضييق نقاط الاختلاف فيما بيننا واتفقنا على تطوير العلاقات الثنائية.
يعتبر القرار الذي اتخذته وزارة الخارجية الأمريكية في يونيو الماضي باللقاء بوفدنا والاستماع إلى وجهة نظرنا ، تطوراً إيجابيا في حد ذاته. وقد خرجنا من الاجتماع بقناعة تتفق وما صرح به فيما بعد، السفير الأمريكي الجديد في إرتريا أمام الكونغرس عن مهمته الأساسية المكلف بها ، وهي دفع العملية الديمقراطية إلى الأمام . لاشك بأن العلاقة مع الولايات المتحدة ذات أهمية كبيرة، ولذا يجب أن نوليها ما تستحقه من اهتمام . بيد أن تلك العلاقة يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وبما لا تمس قرارنا السياسي المستقل.
إن نشاطاتنا الدولية مرتبطة بمدى متانة وضعنا الداخلي . فعدم وجود مقاومة فعالة في الداخل بقيادة تنظيمنا أو القوى الأخرى وانتفاضات شعبية أو أي ظواهر تشير إلى عدم وجود استقرار في الداخل، تدعم الصورة التي رسمها النظام للأوضاع في إرتريا ويترك انطباعاً خاطئاً لدى المجتمع الدولي ، بأن الشعب في الداخل مساند للنظام ، وإذا كانت ثمة معارضة فهي في الخارج وفي أماكن محددة . إلا أننا نعلم بأن الشعب في داخل الوطن لا يقف مع النظام ، وإن لم يقم بمقاومة صريحة أو يدخل معه في صدام من أي نوع . ويجب أن ندرك بان ما يحول دون ذلك هو السياسات الإرهابية والتعسفية للنظام وضعف الأشكال التنظيمية للمعارضة.
فتحنا قنوات للاتصال مع مؤسسات الأمم المتحدة ولاسيما مع لجنة حقوق الإنسان والمفوضية السامية للاجئين . وتكون من مهام المرحلة القادمة، تمتين العلاقة معها وإقامة علاقات مع مؤسسات أخرى .
أما منظمة الوحدة الإفريقية فنعمل بين حين وآخر لإيصال أدبياتنا إليها، ويعد عدم نجاحنا في إقامة علاقات أعمق من ذلك معها نقصاً يجب أن نعترف به . ولذا يكون من مهام المرحلة القادمة ، إقامة علاقات متينة مع منظمة الوحدة الإفريقية. وجدير بالإشارة إلى أنه لدينا قنوات لتبادل المعلومات والآراء مع القوى السياسية اليسارية والديمقراطية في إفريقيا، سواء تلك التي في السلطة أو خارجها. ونعتقد أن ثمة فرصا متاحة لتطوير تلك العلاقة. ونشعر أيضا أننا يجب أن نولي العلاقة مع جامعة الدول العربية الاهتمام ونبذل الجهود في إقامة علاقات متينة معها.
إن عدم المسئولية التي أبداها النظام في نزاعاته مع دول الجوار ولاسيما فيما يتعلق بالسلام واحترام القانون الدولي والوساطات خلال نزاعه مع إثيوبيا ، أدخلته في عزلة عن المجتمع الدولي ، حتى ابتعد عنه أقرب مساند له، وربما أخرجه توقيع اتفاقية السلام وتنفيذه عن العزلة التي كان يعيش فيها. ولكن إذا نجحنا في استمرار عزله عن الشعب ونجح نا في أن ندفع بأعمال المقاومة إلى السطح، فلن يكتسب المصداقية لدى المجتمع الدولي وسوف يبقى في عزلته.
وفي محاولة منه للخروج من عزلته بعد حربه مع إثيوبيا ، حاول النظام أن يقيم علاقات تكتيكية مع اليمن ثم مع السودان وربما سيحاول إعادتها مع إثيوبيا مستفيداً من اتفاقية السلام التي وقعت معها . وليس من المستبعد أن يؤثر حل مشاكله مع دول الجوار سلباً على علاقاتنا مع تلك الدول . ولكن وحسب تقييمنا فمن الصعب أن يلتئم الشرخ الذي أحدثه في علاقاته مع إثيوبيا، إلا أنه من الممكن وتحت ضغط تمارسه بعض الدول، أن توقع اتفاقيات بينه وبين دول الجوار بعدم التدخل في الشئون الداخلية وعدم استضافة معارضي الطرف الآخر . لذا يجب القيام بدراسات عميقة لما يمكن أن تتخذه الحكومات من سياسات ومواقف في حالة تحققت تلك الاحتمالات حتى نكيف أسلوب عملنا مع |